سبل تحقيق السلام النفسى

أ.د إبراهيم درويش يكتب:

0

السلام النفسي هو قدرة الإنسان على التخلص من فوضى الحياة وعدم الاستسلام للفشل والإحباط الداخلي مع قدرته على تحقيق التوازن النفسي بتقبله لذاته والآخرين. وذلك فى ظل منغصات الحياة الكثيرة ..التى تؤلم النفس وتؤجج مشاعر الغضب..

وقد يدفعها للانتقام عندما تتعرض للظلم والسب والأذى المادى والمعنوي ..وتتحمل النفس طاقات سلبية ..قد تدمر الإنسان نفسه أو يصبح قنبلة موقوتة يدمر المجتمع بالكامل

ولذلك السلام النفسى مطلوب بقوة فهو فرصة إلى تفريغ الشحنات السلبية وأستبادلها بطاقة إيجابية..

ولذلك جعل الاسلام .السلام النفسى أو الداخلى مطلب شرعي أمر به الله ورسوله قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}

وعندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: “أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان»، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد»”.

ويتحقق السلام النفسى والداخلي بالتخلق بخلق العفو ..والترك والاهمال لمن أساء إليك وتفويض الامر لله .

ولنا فى رسولنا الكريم القدوة . مع أهل مكة الذين ناصبوه العداء وقاتلوه وآذوه فى عرضه. مع أنه كان لايريد لهم خير الدنيا وألاخرة !!! و عندما دخل مكة فاتحا ومنتصرا قال لهم: «يغفر الله لكم اذهبوا فأنتم الطلقاء» ..ولنا أيضًا فى قول الكريم بن الكريم سيدنا يوسف بن يعقوب عليهما السلام بعد كل ما فعله إخوتهِ به قال لهم: “لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم”.

فالكريم مهما تعرض للسخافات ونكران الجميل والأذى …قلبه سليم لا يحمل حقداً أو غلا ..ويفوض أمره لله ..

ولله در الشافعي حين قال:

لمّا عفوت ولم أحقد على أحدٍ *** أرحت نفسي من هم العداواتٍ

إني أحيي عدوي عند رؤيتهٍ *** لأدفع الشر عني بالتحيات

وأظهر البشر لإنسان أبغضه *** كما إن قد حشى قلبي محبات

الناس داء ودواء الناس قربهم *** وفي اعتزالهم قطع المودات

ويكفيك قولك حسبنا الله ونعم الوكيل بأن تريح قلبك وتطفئ نارك…

لكن المهم أن تأخذ الدرس وتتعلم من أخطائك حتى لا تقع فريسة مرة أخرى لمعدومي الضمير..وتذكر. دائما أنه لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين ..

وهذا التسليم والتفويض والسلام النفسى والداخلي يحتاج إلى جهاد و شحن النفس وتزكيتها بالطاقة الإيمانية بصورة متجددة بكل مايقرب العبد إلى الله ويبعده عن وساوس الشيطان ..

ومن هذه الوسائل تطهير النفس من الفساد والأخطاء والعصيان .. وشحنها بالصلاة والذكر وقراءة القرآن والعمل الصالح والقيام بالعبادات المفروضة الخ ذلك من الأعمال الصالحة .

يقول تعالى: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا }. مع الدعاء بالمعونة من الله فقد كان ﷺ يكثرُ مِن الدعاءِ بقولهِ: “اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا ” . (مسلم)

والسلامَ عموما هو هدفٌ أسمَى للشرائعِ السماويةِ كلِّهَا، وهو غاية الشرائع في الأرضِ،

والسلامُ من الحقوق الواجبة الخمسة التى وردت فى حديث أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال:” حقُّ المسلمِ على المسلمِ خمسٌ: ردُّ السلامِ، وعِيادةُ المريضِ، واتِّباعُ الجنازةِ، وإِجابةُ الدَّعْوَةِ وتشميتُ العاطسِ.” ( البخاري ومسلم )

ومِن هدي النبى ﷺ السلامُ قبلَ الكلامِ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ:” السّلَامُ قَبْلَ السّؤَالِ، فَمَنْ بَدَأَكُمْ بِالسّؤَالِ قَبْلَ السّلَامِ فَلَا تُجِيبُوهُ “. فمن السنةُ أنَّ المسلمَ يبدأُ بالسلامِ قبلَ كلِّ كلامٍ.

وقد خاطب الحق سبحانه سيدنا نوحٌ عليه السلام بقولهِ تعالى: {يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ}.

وسجل القرأن قول سيدنا ابراهيم عندما اختلف مع أبيه حرصه على السلام قال تعالى: { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا }.

والسلام هو أيقونة رسالة سيدنا عيسى عليه السلام منذ مولده حتى بعثه يقول تعالى : { وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا }. .

و السلامُ مأخوذٌ مِن السلمِ والأمانِ،

والسلامُ مِن أسماءِ اللهِ الحُسني،

قالَ تعالى: { الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ } واسمٌ مِن أسماءِ الجنةِ، قالَ تعالَى: { لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ }.وهو تحيةُ أهلِ الجنةِ، قالَ تعالَى: { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ }.

واذا كنت تتمتع بسلام داخلى أو نفسى سينعكس ذلك على كل المحيطين بك بداية من أفراد أسرتك وجيرانك والمجتمع..

وسيظهر ذلك وذلك من خلال حسنِ معاملتك مع الجميع وعدمِ التعرضِ لهم بأذَى.

فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: « المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ». (متفق عليه).

والمسلم كما يؤجرُ على فعلِ الطاعاتِ، يؤجرُ أيضا على كفِّ الأذىَ، قال أبو ذرٍّ: ” قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: تَكُفُّ شَرَّك عَنْ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْك عَلَى نَفْسِك ” (متفق عليه).

وهناك عدة ارشادات تساعدك فى الوصول للسلام النفسى والداخلي

١- ممارسة الامتنان

الامتنان وهو قانون المتفائلين

عليك أن تراجع نفسك وتتذكر نعم الله عليك دائما وتشكره كل صباح على السراء والضراء واحسن الظن بالله ولطف الله بك

٢- إياكم وجلد الذات

جلد الذات باستمرار يفقد الإنسان ثقته بنفسه ويجعله يشعر بالحزن والكآبة، والخطأ دائما وارد فإن أخطأت لاتحاد ذاتك …كل ما عليك هو تقويم السلوك الخاطئ وعدم العودة إليه مرة أخرى.

٣- الابتعاد عن المدمرات النفسية

كالتفكير السلبي ومقارنة الذات بالآخرين والعلاقات المحبطة فجميعها مدمرات نفسية تقضي على الطاقة الإيجابية للإنسان وتجعله دائما في حالة من الشك وعدم الرضا والاستقرار النفسي

٣- تعلم ثقافة الاعتذار

الاعتذار للآخرين لا يعني كون الإنسان ضعيف الشخصية بل على العكس الاعتذار ثقافة راقية تجلب للنفس الطمأنينة والرضا وعدم الشعور بالذنب تجاه الآخرين ولكن لا تسرف في الاعتذار لمن لا يستحق.. فقط قيم الموقف بحياديه

٤- لا تتوقع الكمال

فالنفس البشرية جبلت على النقص كما أن الكمال صفة يختص بها الله عز وجل ولذلك لا تسعى للكمال في إتمام الأمور فذلك من الممكن أن يصيبك باليأس والإحباط وجلد الذات وبالتالي التأثير على سلامك النفسي.

٤- الراحة والتأمل يساعد على شعور الإنسان بالهدوء النفسي والصفاء الذهني والقدرة على مواصلة أعباء الحياة المختلفة.

٥- دون إنجازاتك

السلام النفسي يبدأ عندما يثق الإنسان بذاته ويؤمن بقدراته ولذلك على الإنسان تدوين الإنجازات وكتابتها حتى وإن كانت بسيطة من وجهة نظره فتذكر هذه الإنجازات في أوقات الضعف النفسي يساعد الإنسان على النهوض مجددا.

٦- لا تبحث عن قيمتك في عيون الناس ابحث عنها في ضميرك.

ولا يمكن أن يعيش الانسان حياه سوية هادئة بدون سلام مع الجميع بداية مع النفس أو مع الأهلِ والجيرانِ،و الأصدقاءِ والمجتمع والبيئة والحيوان و النباتِ والجمادِ والكون كله ولهذا أمرَ اللهُ جميعَ المؤمنينَ أنْ يدخلُوا في السلمِ والسلامِ فقالَ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}.(البقرة: 208).

إنَّ السلامَ يعملُ على نشرِ المودَّةِ والمحبَّةِ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ”.(مسلم).

ولذلك قال عمرُ رضي اللهُ عنه: «ثلاثٌ يصفينَ لكَ ودَّ أخيكَ: أنْ تُسلّمَ عليهِ إذا لقيتَهُ، وتوسّعَ له في المجلسِ، وتدعُوه بأحبَّ أسمائهِ إليهِ».(البيهقي في الشعب).

نسألُ اللهَ أنْ يجعلنَا مِن أهلِ السلمِ والسلامِ، وأنْ يُدخلَنَا الجنةَ دارَ السلام ؛؛؛

بقلم  .. ا.د / ابراهيم حسين درويش وكيل كلية الزراعة جامعة المنوفية

اترك رد