من نفحات الجمعة  إذا فاتك شرف المكان فلايفوتك شرف الزمان

بقلم .. أ.د ابراهيم درويش

0

نقول ذلك بمناسبة حلول العشر الاوائل من ذى الحجة والتى كانت أعين وقلوب وأشواق كل المسلمين متعلقة ببيت الله الحرام والوقوف بصعيد عرفات والمبيت فى منى وأداء شعائر الحج فى هذه الأيام المباركة .

ونتيجة لجائحة كرونا واتباع الإجراءات الاحترازية بتقليص أو منع الحجاج أو قد يكون المسلم غير ميسور الحال فلايستطيع تحقيق اشواقه والوصول إلى أماكن النسك .

فالله سبحانه وتعالى من علينا بنفحات يمكن من خلالها الحصول على الأجر والثواب وفرصة للتقرب إلى الله عز وجل ومن هذه النفحات ايام العشر الاوائل من ذى الحجة

فإذا استثمرناها فهى تحقق قفزة نوعية نحو الخالق.

بل وتعالج العمر القصير وشهوات النفس وانحرافاتها ومايألفه الإنسان من التقصير والخمول،

فالعشر من دى الحجة مثلها مثل شهر رمضان هى منح ربانية لتحقق قفزات نوعية

سواء للترميم ، أو لمضاعفة الجهد ، أو للصلح مع الله ،وبتختلف القفزات طبقا للحالة التى عليها الإنسان

فالعاصي قفزته تكون للتوبة ، والتائب قفزته تكون لإتقان العبادة والعمل ،

والعابد قفزته تكون للعلم فالعبادة بعلم اولى وافضل من غير علم .

والمسلم الظاهرة قفزته تكون للإيمان اى ماوقر فى القلب وصدقه العمل ،

والمؤمن قفزته تكون إلى مقام الإحسان.

 

وبالتالى فإن اقتناص مواسم الطاعات فرصة لتحقيق العبادة الحقوق التى خلقنا الله من أجلها يقول تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ,)

ومفهوم العبادة واسع وشامل ومتنوع حتى يسهل على الإنسان الوصول إلى الله عن اى طريق ولايهمل كل الطرق فمنها العبادات العشائرية كالصلاة والصيام والزكاة وهذه لها صفة الاستمرار والثبات وهناك عبادات تعاملية مثل الصدق ، الاأمانة ، العفة ، الوفاء بالعهد، والوعد . الخ ، ومنها عبادات تخصصية تختلف من انسان لانسان طبقا لنعم الله عليه ومطلوب منك بتقديم شكرها سواء كنت غنيا فيكون شكر نعمتك بالسخاء والانفاق أو عالم فتكون عبادتك الخاصة نشر العلم والوعى .. حتى على مستوى الحرف بإتقان الصنعة وهكذا .

 

وقد ورد فى فضل العشر من ذى الحجة احداث واقعية شاهده على أهميتها وفضلها مثل مشاهدة سفر المسلمين إلى حج بيت الله الحرام بزى واحد مابين بشعار واحد لبيك اللهم لبيك ومتابعة أعمال التروية والوقوف بعرفة ويوم النحر وتقديم الهدى ورمى الجمرات …. الخ من اعمال الحج التى تتم فى هذه الأيام

 

وظل على فضلها ايات قرآنية مثل قوله تعالى﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾فالأيام المعلومات عند ابن عباس هي الأيام العشر ،

وقوله تعالى ﴿ وَالْفَجْرِ * ولَيَالٍ عَشْرٍ ﴾وقال بعض المفسرين : إنها الأيام العشر من ذي الحجة.

ومن الأحاديث النبوية التى تدل على فضل ايام العشر من ذى الحجة مارواه الترمزى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ))

فهذا الحديث أكد على المعنى الذى كتبناه فى عنوان المقال

من خلال لفت الإنتباه إلى أمرين . الأول تفضيل شرف الزمان وهذا لعموم المسلمين يستفيدوا من شرف الزمان والذى يدل على فضيلة زمان أداء الحج الاكبر الركن الخامس عبادة العمر وختام الأمر وكمال الدين وبالتالى هذه الأيام فرصة لمن لم يستطيع الذهاب لأداء فريضة الحج فى تلك الأيام لأى ظرف كان فيمكن وهو فى بيته أن يلجأ إلى الله ،وتاخذ ثواب مضاعف وقد يكون ذلك لحكمة أرادها الله ، فمن يذهب للحج انسان ميسور الحال أو أحد يحبس عن أداء الحج لعذر ما أو جائحة ما

 

ويدل على الحديث ايضا على فضيلة شرف المكان الذى تؤدى فيه فريضة الحج خاصة بالنسبة للحجاج والعمّار ومن يسير فى فلكهم وسواء كان الزمان أو المكان

فالذى اصطفاهما هو الحق سبحانه فقد اصطفى من بين الأمكنة بيته الحرام ، واصطفى من بين الأزمنة يوم الجمعة و شهر رمضان والعشر من ذي الحجة كما اصطفى من البشر الشهداء والاولياء و الانبياء والمرسلين . وخاتمهم محمد بن عبد الله سيد ولد آدم ولا فخر خاتم النبيين وإمام الموحدين

والأمر الثانى فى الحديث النبوى أنه يحث على العمل واشترط بأن يكون صالحا فى ذاته ولغيرة والعمل الصالح أبوابه لا تعد ولا تحصى فكل عمل صالح يقبله الله عز وجل إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنّة يكون عمل صالح .

و يجب أن نراعي فى تلك الايام

كثرة التسبيح والتحميد والتكبير كما جاء في الحديث الشريف : مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ )

و التهليل هو (لا إله إلا الله) وهى كلمة التوحيد ،ان تتيقن أن الله (فعال لما يريد )﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

وبالتالى العشر من ذى الحجة هى فرصة لمن أسرف على نفسه أن يعيد صلته بالله ويصلح آلعلاقة بينه وبين مولاه

و هو وسيلة مجربه ونافعة وناجحة لحل كل مشاكلنا وصلاح أحوالنا يقول تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ,)

ومن أهم الأعمال فى هذه الأيام

التوبة النصوح :وهى أفضل آلاعمال للمقصر

وكثرة الذكر ليس باللسان وحدة بل بكل الجوارح فالتكبير والتحميد والتهليل والتسبيح من أسباب سعادة المراه فى حياته واخرته

فالتكبير باى صيغة لكن افضل الاقوال قول لا اله الا الله له الملك والحمد وهو على كل شىء قدير الله أكبر بمعناها على كل من طغى وتجبر

والتسبيح في أيام العشر ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهذه هى الباقيات الصالحات :﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾و صفة التكبير الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ولله الحمد ،

يقول تعالى ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب) والاعراض عن ذكر الله يجعل الانسان يعيش فى حياة بائسة يقول تعالى ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

لانه قد يكون الإنسان موسع له فى رزقه وماله لكن عيشة الضنك يكون فى القلب وعدم الراحة والأمان يقول تعالى﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾

واجمل شعور يسعد الإنسان أن يشعر أن الله راض عنه ويحبه وأنه يسير فى معية الله فهذا يسعد النفس

ومن الأعمال المطلوبة الصيام فى هذه الأيام إذا كان الإنسان قادراً على الصيام يصوم وإذا كان مرتبط باعمال لا يقدر معها أن يصوم فيحرص على صيام يوم عرفة لا ن صيامه يكفر السنة الماضية .

ومن الاعمال المطلوبة الإكثار من الأعمال الصالحة لانه لايقارن باى عبادة فى غير هذه الأيام الا الذى خرج يجاهد في سبيل الله فخرج بماله فاستشهد ، ولم يرجع بشيء .و الأعمال الصالحة تقرب إلى الله عز وجل .

ومن الاعمال المرتبطة بهذه الايام الأضحية للمستطيع يذبحها الإنسان تقرباً إلى الله عز وجل . يحث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله فى معنى الحديث (عظموا ضحياكم فإنها على الصراط مطاياكم) وقوله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا )). والاضحية شعيرة من شعائر الله ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب واللحم يذهب إلى البطون الجائعة اما المال فقد يذهب سداداً لدين أو لأمور أخرى .

حفظكم الله وحفظ بلادنا مصر

من كل سوء

 

أ.د ابراهيم درويش استاذ المحاصيل الحقلية وكيل كلية الزراعة لشئون البيئة وتنمية المجتمع جامعة المنوفية

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.