الفن وسنينه .. في ذكرى ميلاد أم السينما المصرية

بقلم .. عصام التيجي

0

 فردوس محمد .. منحتها السينما الأمومة وحرمها الحسد !!!

ربما تحتوي حياة الإنسان منا على قصصٍ ورواياتٍ لم تخطر على بالِ أحدٍ من الكتاب والروائيين تجسيدها فى أعمالٍ فنيةٍ حتى الآن ، ظناً منهم أنها قصص من درب الخيال ولا يمكن حدوثها على أرضِ الواقع .

بطلة قصتنا اليوم من سلسلةِ مقالات الفن وسنينه حياتها أشبه بالقصصِ الخياليةِ التي لا تخطر على بالِ عشاقها بأن بطلتهم القريبة إلى قلوبهم قد مرت بها خلال حياتها العامرة بالحب والشجن والأمومة الفياضة وهي السبب الرئيسي في كسب حب الجمهور لها واعتبروها أماً لهم دخلت قلوبهم وتربعت على عرشها .

بطلة قصة اليوم لُقبت بأم السينما المصرية . ” ولما لا ” فقد جسدت دور الأم لأغلب نجومِ ونجماتِ زمن الفن الجميل ومنهم أم كلثوم ..وفاتن حمامة .. وفريد شوقي .. وعمر الشريف .. وعبد الحليم حافظ ..وشكري سرحان ..وماجدة .. وشادية .. ولبنى عبد العزيز .. وغيرهم ممن أثروا السينما المصرية بأعمالٍ فنيةٍ سُجلت معظمها ضمن قائمةِ أفضلِ مائةِ فيلمٍ في تاريخ الفن السابع .

إنها الفنانة القديرة فردوس محمد التي يوافق اليوم الثالث عشر من شهر يوليو ذكرى ميلادها .

***  فردوس محمد .. الميلاد والنشأة .

ولدت فردوس محمد بحي المغربلين في مدينةِ القاهرة عام ١٩٠٦ م وتوفي والداها في سنٍ مبكرة فتولى تربيتها صديق والدها الشيخ علي يوسف مؤسس ” جريدة المؤيد ” الذي ألحقها بمدرسةٍ إنجليزيةٍ بحي الحلمية القديمة فتعلمت القراءة والكتابة والتدبير المنزلي وتربية الأطفال .

ورغم فقدان الأب والأم وهي في سنِ الثالثة

” ما يعد بدايةً لرحلة الحزنِ و الشقاء في حياة الفنانة الراحلة ” إلا أن فردوس محمد عاشت حياةً هادئةً في بدايتها إلى ان وصلت سن الرابعةَ عشرةَ ، وقتها ارتبطت بشابٍ تقدم لخطبتها فوافق الأهل عليه بعد اقتناعهم به ، ولكن في بعض الاحيان تأتي الرياحُ بما لا تشتهي السفن .

*** الزواج المبكر وطريق العذاب

تزوجت فردوس محمد وعاشت خمسَ سنواتٍ من الشقاء في بيت زوجها ذاقت خلالها مرارةَ العذابِ والإهانةِ والضربِ والمعاملةِ السيئةِ والمعايرةِ بعدمِ الإنجاب حتي انفصلت عنه وهي في سن التاسعةَ عشرةَ تاركةً بيت الزوجية لتعود الى حيث مكان تربيتها .

وهنا حاولت فردوس محمد أن تستقل بنفسها من خلال البحث عن عملٍ حتى لا تكون عبئاً على أحد .

***  الخروج من المأذق وبداية طريق الفن

ونظرا لتعلقها الشديد بالفن وحبها الجارف له منذ أن كانت تذهبُ مع أقاربها بين الحينِ والآخر للمسرح فقد طلبت من إحدى جاراتها في مسكن الزوجية القديم الالتحاق بفرقة ” أولاد عكاشة ” المسرحية التي كان يعمل بها زوج جارتها ، وبالفعل قدمت فردوس محمد أولَ عملٍ مسرحي لها عام ١٩٢٧ ميلادية من خلال مسرحية ” إحسان بك ” مع الفرقةِ التي صارت بعد ذلك واحدةً من أعضائها . كما عملت مع فرقةِ إسماعيل ياسين وعبد العزيز خليل وفرقة رمسيس وفاطمة رشدي وأيضا فرقة فوزي منيب الفكاهية .

*** فردوس محمد ..وأغرب قصص الحب والزواج

وفي هذه الأثناء جاء الارتباط الثاني للفنانة فردوس محمد من المونولوجست محمد إدريس والذي يعدُ أغربَ قصصِ الارتباط الخيالية . فقد تلقت فرقة فوزي منيب الفكاهية التي كانت تعملُ بها الفنانة العزباء فردوس محمد دعوةً لتقديم عروضها في فلسطين لكن القوانين في مصر حينها كانت لا تسمح بسفرِ الفنانات غير المتزوجات ” ووقعت الفرقة في ورطة ” لان الفنانة الراحلة كانت تقوم بدورٍ رئيسٍ في المسرحية ولا يمكن استبدالها بأخرى متزوجة . وهنا أقترح فوزي منيب مدير الفرقة أن تتزوج فردوس محمد من أحدِ أعضاء الفرقة زواجاً صورياً ، ووقع الاختيارُ على المونولوجست محمد إدريس للقيامِ بهذه المهمة . وسافر الاثنان ضمن الفرقة إلى فلسطين وقدمت الفرقة عروضها لأيامٍ عديدة .

وبعد انتهاء العرض المسرحي فاجأ محمد إدريس فردوس محمد بأنه يحبها ، وطلبها للزواج فوافقت واحتفلت الفرقة بزفافهما في الفندق الذي كانت تقيم فيه . وتحول الزواجُ الصوري إلى زواجٍ شرعي واستمر لمدة خمسة عشر عاماً انتهى بوفاةِ محمد إدريس .

***  الأمومة في حياة فردوس محمد السينمائية

في عام ١٩٣٥ م كانت بدايةُ فردوس محمد السينمائية حينما اختارها شيخ المخرجين محمد كريم لتقديم دور الأم في فيلم ” دموع الحب ” بطولة الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب ، ثم قدمت شخصية أم الطفلة فاتن حمامة في فيلم ” يوم سعيد ” .

ونظرا لتكوينها الجسماني ودفء مشاعرها وصوتها الذي يشع نوراً وحناناً فقد اّهلها ذلك لأن تكون من أهم النجمات اللاتي جسدن دور الأم حتي لمن تكبرها سنا مثل أم كلثوم عندما جسدت دورَ أمها في فيلم ” فاطمة ” .

فالمعروف أن كوكب الشرق تكبرها بثماني سنواتٍ وتجمعهما صداقة قوية .

تمر الأيام والسنون وتقدم فردوس محمد أعظم أدوار الأم والمربية في السينما المصرية رغم حرمانها من الأمومة ” لأسباب سوف نوضحها لاحقاً ” ليصل عدد أفلامها إلى ١٢٧ فيلماً منهم على سبيل المثال وليس الحصر .. فيلم ” بياعة التفاح ” مع إحدى رائدات السينما المصرية ومؤسسيها الفنانة عزيزة أمير .. وفيلم ” سفير جهنم ” مع يوسف بك وهبي .. ” وسيدة القطار ” مع ليلى مراد .. والطريق المسدود وسيدة القصر ” أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة .. “وصراع في الميناء ” أمام النجم العالمي عمر الشريف .. “والهاربة ” مع دلوعة السينما المصرية الفنانة شادية .. “وحكاية حب ” مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ” .. ” وشباب امرأة ورد قلبي ” أمام النجم الكبير شكري سرحان .. ” وأين عمري ” أمام الفنانة والمنتجة السينمائية ماجدة الصباح .. “وأبو حلموس وسلامة في خير ” أمام الضاحك الباكي الفنان القدير نجيب الريحاني الذي كان دائمَ التفاءلِ بوجودها معه ضمن سلسلةِ أفلامه إلى حد أنه أصر على أن تكون معه في أخر أفلامة ” غزل البنات ” رغم عدم وجودِ دورٍ لها ضمن أحداثِ الفيلم فاشترط على منتج ومخرج الفيلم الفنان ” أنور وجدي ” الذي اضاف دورَ الدادةِ المربيةِ لليلى مراد وأصبح واحداً من أهمِ ادوارها في السينما .

وكان أخر أعمال الفنانة القديرة فردوس محمد أمام الشاشة الفضية فيلم ” عنتر بن شداد ” الذي جسدت فيه دور الأم لعنتره الفنان ” فريد شوقي ”

كانت فردوس محمد ترفض العمل خلال شهر رمضان ، وإن اضطرتها الظروف لذلك كانت تشترط أن يكون التصوير في فترة مابين الإفطارِ والسحور حتى تتمكن من أداءِ الصلاة وقراءةِ القرآنِ الكريم ، فمن المعروف عن الفنانة فردوس محمد أنها كانت ملتزمةً دينياً .

***  فردوس محمد .. أم تبنت ابنتها

لم تنته حياة فردوس محمد عند هذا الحد فمازلت رحلةُ الشقاءِ والعذاب التي لم يشعر بها أحد من جمهورها مستمرةً . فأذا كانت السينما المصرية قد منحتها حق الأمومة في غالبية أفلامها فلم يمنحها القدر ذلك . إذ لم تكن محظوظةً مع الإنجابِ في الواقع . حيث توفي ثلاثة أبناء لها بعد ولادتهم ، حتى نصحتها إحدى صديقاتها بأنه في حال إنجابها طفلاً آخر يجب أن تخفي نبأ الولادة منعاً للحسد ، وتقول إن المولود توفي كالعادة ثم تُعلن تبنيها طفلاً من أحد الملاجئ .

وفي عام ١٩٤١ ميلادية أنجبت فردوس محمد ابنتها ” سميرة ” ونفذت ما نصحتها به صديقتها لتُعلن تبنيها لها بعد ثلاثةِ أسابيع من إخفاءِ أمر الولادة . ” على حسب ما قاله واكد عليه الناقد والمؤرخ السينمائي محمود قاسم ” في تصريحاتهِ لعددٍ من المواقع .

وعندما صارت سميرة في سن السابعةَ عشرةَ ووقت زفافها على مدير التصوير السينمائي محسن نصر انهمرت دموع فردوس محمد واعترفت بأن العروس ابنتها ، وهو ما لم يصدقة الحضور وقتها معتبرين أن ما أفضت به فردوس هو لرفع الروح المعنوية ” للعروسة ” .

عانت الفنانةُ القديرة فردوس محمد في أواخر أيامها من مرض السرطان ووقف الكثير من نجوم الفن معها في محنتها وبخاصة صديقتها كوكب الشرق أم كلثوم وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة التي حصلت على موافقةٍ لعلاجها على نفقةِ الدولة في الخارج إلى أن لبت نداءَ ربها في الثاني والعشرين من شهر سبتمبر عام ١٩٦١ م عن عمر ناهزَ خمسة وخمسين عاماً .

***  قصةُ حياةٍ أشبهُ بالخيال

عاشت أماً في كل مراحل عمرها أمام الشاشة الفضية وحُرمت لفترات طويلة من الأمومة الحقيقية . وعندما رُزقت بابنتها ” سميرة ” كان الحسد واقفا لها بالمرصاد فتبنت ابنتها التي لم تذق معها طعم الأمومة بين الناس .

العزاء الوحيد انكِ كنتِ لنا ومعنا أماً بالمعنى الأصيل الذي يجب أن تكون علية الأم وعشتِ أماً في الخفاء لسنوات طويلة مع ابنتكِ . فهذا المعنى الحقيقي والمثالي للأم المصرية التي تضحي بسعادتها وفرحةِ أمومتها لحماية أبنائها من الحسد الذي يؤدي للهلاك في كثيرٍ من الأحيان .

ميلادكِ في جنةِ الخُلد بإذنِ اللهِ تعالى .

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.