إنتاج رغيف مصري جديد بنسبة 30% من الشعير فكرة ذات جدوى اقتصادية

متابعة سمير سلامة : مصر

0


دراسة جدوى اقتصادية
: بقلم د . صلاح شعير

الشعير أو الحبة الطيبة التي برزت كبديل غذائي في الآونة الأخيرة، فكرة مطروحة على الساحة؛  وخاصة أن النجاح في زراعة مساحة جديدة من حبوب الشعير؛  قد يسهم في تقليل فاتورة الاستيراد، وتشير نتائج بعض الدراسات الفنية،  الخاصة بإنتاج رغيف خبر  بلدي  مكون من دقيق القمح والشعير، بنسب خلط تصل إلى 30%  من دقيق الشعير، أن الخواص الحسية للخبز المختلط مقبولة، من حيث الطعم والرائحة، وأن الرغيف الجديد أفضل من الرغيف المصنوع من القمح الخالص، كما أن مدة صلاحيته قد تستمر أسبوعًا؛ دون أن يتعرض للتلف أو الجفاف.

ومن أهم التجارب العلمية الموثقة؛ والتي أثبتت جودة الرغيف المختلط من الناحية الفنية؛ رسالة دكتوراه؛ أنجزتها الباحثة هويدا أبو العلا، وحصلت بمقتضاها على جائزة وزارة البحث  العلمي والتعليم العالي؛ كأفضل رسالة دكتوراه  في عام 2010م.

ونظرًا لأن الجدوى الاقتصادية تمثل عاملا أساسيًا قبل تطبيق النتائج الفنية؛ بهدف مساعدة الجهات المختصة في اتخاذ القرار المناسب، على المستوي القومي؛ لبحث إمكانية التنفيذ، من منظور اقتصادي؛ وبالتالي سوف تُبنى المقارنات بين الشعير والقمح اعتمادًا على عدة مقايس منها: الإنتاجية، والاحتياجات المائية لكل من المحصولين محليًا، لمعرفة إمكانية إحلال أحدهما كبديل للآخر في الزراعة، علاوة على  مقارنة الأسعار العالمية لهما؛ بهدف المفاضلة عند استيراد أحد البدلين، أضف إلى ذلك الجدوى الصحية؛ وذلك من خلال مناقشة الأمور التالية:

أولا: الجدوى الإنتاجية: تتطلب عملية التوسع الزراعي لتلبية احتياجات المشروع؛  مقارنة حجم الإنتاج المحلي بالنسبة للمحصولين، بهدف المفاضلة بينهما عند إحلال أحدهما مكان الآخر طبقًا لأعلى إنتاجية للفدان.

أ – الشعير: تبلغ المساحة المزروعة بالشعير في مصر نحو 250 ألف فدان: منها 150 ألف فدان تزرع على الأمطار،  بمتوسط إنتاجية يقدر بنحو من 5 إردب للفدان؛ في الساحل الشمالي، الشرقي، وشبه جزيرة سيناء. ورغم أن الشعير المزروع على مياه الأمطار يمثل إضافة حقيقة إلى الثروة الزراعية بمصر، إلا أنه  لا يمكن التعويل على هذه المساحات؛ سوى في الإنتاج للاستهلاك الشخصي في المناطق الصحراوية، نظرًا لضعف الإنتاجية وتذبذب الأمطار من عام لآخر.

أما الشعير الذي يزرع على الري بالمياه الجوفية؛ يقدر بنحو 100 ألف فدان ويصل متوسط إنتاجية الفدان الشعير  بنحو 17 إردبا؛ ويزرع هذا النوع  في شرق العوينات، والمناطق المستصلحة بمحافظات الوادي الجديدة؛ والإسماعيلية، والفيوم، وبورسعيد.

ب- القمح:  تقدر المساحات المزروعة بالقمح كمحصول شتوي منافس بنحو  3.4 مليون فدان بمتوسط إنتاجية 18 إردبا للفدان الواحد.

وهذا يؤكد أن الجدوى الإنتاجية مازالت لصالح  زراعة محصول القمح كبديل غذائي أول؛ لأنه الأعلى إنتاجية حتى الآن.

ثانيا الجدوى المائية: ترجع أهمية هذه الجدوى في إمكانية التوسع في البديل الذي ترتبط زراعته باستخدام أقل قدر من الماء؛ بيد أن المشكلة  في تحديد ذلك بدقة؛ لأن  خريطة الاحتياجات المائية للكل فدان من المحاصيل الزراعية القائمة؛ تعاني من اضطرابات وتضارب في الأرقام والبيانات، سواءً في  مطبوعات وزارة الزراعة، أو من خلال التصريحات المنسوبة للمسئولين، وإن كانت معظم البيانات تشير إلى أن متوسط استهلاك الماء للفدان الواحد لكل من المحصولين يتراوح ما بين 1800 : 2000 متر مكعب.

وهذا الرقم لا يسمح بعمل دراسات جدوى مائية حقيقة؛ لأنها لا يعطي بيانات تفصيلية حول استهلاك الفدان من الري بالرش  أو الغمر، علاوة على أن إغفال تأثير المناخ ودرجة الحرارة على استهلاك الفدان من الماء، فعلى سبيل المثال سوف نجد أن معدل المياه  اللازمة لري الفدان في الدلتا والساحل الشمالي؛ أقل من احتياجات الفدان جنوب مصر، وهذا يتطلب من الحكومة المصرية القيام بدراسات تطبيقية جديدة؛ لتحديد احتياجات الفدان من الماء بالنسبة للقمح والشعير وغيرها من المحاصيل الزراعية، طبقًا لأساليب الري الحديثة والقديمة، وطبقًا لنوع التربة، وأيضًا طبقًا للنطاق الجغرافي والمناخ  لكل منطقة، وذلك لاختيار البدائل المناسبة؛ ثم إعادة  ترتيب الخريطة الزراعية لمصر بما يتفق مع فكرة الترشيد والاستخدام الأمثل للموارد المائية؛ وتلك فكرة غاية في الأهمية؛ من أجل لتطوير الزراعة المصرية ككل.

وعليه: فإن الجدوى المائية لزراعة أي من المحصولين؛ سوف يتم إهمالها مؤقتًا إلى حين توفير البيانات الحقيقة مستقبلا.

 

ثالثًا الجدوى الزمنية وتحمل  درجة الملوحة:  وتفيد هذه الجدوى في تفضيل المحصول الذي يستغرق وقتًا قليلًا منذ زراعته حتى حصاده.

  أ – الشعير: يزرع في الأراضي المروية الجديدة أو القديمة اب

 

تداءً من 20 نوفمبر حتى 15ديسمبر، بالوجه البحري والوجه القبلي؛ من 10نوفمبر وحتى أول ديسمبر وبالنسبة للزراعات المطرية مع أول سقوط للأمطار. ويتم الحصاد في نهاية شهر إبريل وأوائل شهر مايو.

ب- القمح: يزرع القمح في بمصر؛ بالوجه البحري خلال الفترة من 15 :30 نوفمبر،  وبالوجه القبلي خلال الفترة من 10 :25 نوفمبر ، ويتم الحصاد  في نهاية شهر إبريل، وبالتالي لا يوجد فرق زمني كبير بين المحصولين.

تؤكد هذه  المقارنة أن المحصولين متقاربين من  حيث مدة الزراعة والحص

 

اد؛  أما الشعير فهو يتحمل درجة الملوحة حتى 4 آلاف درجة،  وهذا يناسب الصحاري أكثر من 35%  الصحاري المصرية المالحة، ولكن هذه الميزة مقيدة بندرة الماء، ومن الصعب الاستفادة منها حسب المعطيات الحالية.

رابعًا الجدوى الصحية: تفيد هذا الجدوى في تفضيل البديل التي

 

يفيد صحة المواطن بدرجة أكثر، وخلط دقيق الشعير من الناحية الصحية،  يمد الرغيف المخلوط  بالكثير من المركبات الغذائية المهمة،  كالكربوهيدرات،  والدهون، والعناصر المعدنية، كما يحتوي على نسبة عالية من البروتين، علاوة على الفسفور، والكالسيوم، والبوتاسيوم والحديد وفيتامين B””، والحمض الأميني اللايسين، اللازم لبناء خلايا وأنسجة الجسم. بالإضافة إلى نسبة الألياف الغذائية الذائبة، والتي تفيد في خفض نسبة الكوليسترول في الدم، وهذا يساعد في مرضى تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم. وبالتالي توجد جدوى صحية مباشرة في تطبيق التجربة.

خامسًا الجدوى المالية: يتضح مما سبق  أن الإنتاج المحلي للشعير، بمصر لا يتجاوز نحو 373 ألف طن سنويًا،  وهذه الكمية لا تمثل سوي 12%  تقريبًا، من  الاحتياجات اللازمة للمشروع المقترح، ولكن هذه  هذا غير متاح عمليًا؛ لأن الشعير المحلي يستخدم معظمها  كعلف حجوني، والباقي في الغذاء ببعض المناطق الصحراوية.

 

وبالتالي يصبح استيراد الشعير هو البديل المتاح لإنتاج الخبز المخلوط،  وهذا يتطلب مقارنة فرق السعر بين السلعتين في بورصات الحبوب العالمية، واللتان تتسمان بتقلب دائم في مستوى الأسعار من شهر لآخر،  وبالتالي اختلاف متوسط الأسعار بكل عام عن الذي قبله.

سوف يتم الاعتماد في هذه الدراسة على أسعار شهر إبريل 2021؛ عند المقارنة بين أسعار الاستيراد في إطار الاسترشاد الأولي؛ وفقًا لأعلى سعر مقومًا بالدولار الأمريكي، بالدول التالية:

تشير البيانات أعلاه إلى أن متوسط القمح العالمي خلال شهر إبريل لعام 2012م كان 271.395 دولارًا للطن مقابل نحو 247.565 لطن الشعير، وهذا يعني أن الوافرات المحققة في كل طن مستبدل تبلغ نحو 24 دولار.

ونظرًا لأن حجم الاستهلاك  المصري من القمح يبلغ  نحو١٦ مليون طن،  منهم ٩ ملايين طن لمنظومة الخبز المدعم، وطبقًا لذلك فإن إحلال 30% من دقيق الشعير محل دقيق القمح يتطلب استيراد 3 ملايين طن من حبوب الشعير من البورصة العالمية،  بدلا من القمح، وهذا يوفر نحو 72 مليون دولار سنويًا، بما يوازي نحو  1.123 مليار جنيه مصري، وللوصول إلى الرقم بصورة أقرب للحقيقة يجب القيام بحساب المتوسط السنوي لخمس سنوات على الأقل، للوصول إلى الوفر المتوقع، وإن كانت التوقعات تشير إلى أن الوفر المتوقع سيكون قريب من هذا الرقم. كما أن هذا الوفر المالي قد يتبدد لعدة احتمالات:

1–  تأثير اختلال الطلب على سعر الحبوب: التذبذب الرهيب في الأسعار؛ نتيجة لتراجع الطلب المصري على القمح العالمي بمقدار 3 ملايين طن، سوف يؤدي إلى انخفاض أسعاره؛ كما أن زيادة الطلب المصري على استيراد حبوب الشعير  بنفس الكمية؛ سوف يرفع أسعاره، وبالتالي توجد حالة من عدم اليقين بالنسبة للجدوى المالية، لأن الوفر المحقق من استبدل القمح بالشعير قد يتبدد بالزيادة في أسعار الشعير.

2- تغير العادات الاستهلاكية: من الوارد أن يتأثر نمط الاستهلاك العالمي للقمح والشعير؛ لأنه من الوراد  تحول جزء مكافئ من القمح؛ للاستخدام في علف الحيوانات؛ لتعويض النقص في  الشعير بسبب التوسع في استخدامه في التغذية البشرية بمصر، وسوف يؤثر على الأسعار بما يوازي حجم هذا التغير.

3-  الوفر  باستيراد بدائل القمح الأقل سعرًا:  أن دراسة الجدوى المالية قائمة على أعلى سعر للقمح والشعير خلال شهر إبريل، وهذا يعني أن الوفر المفترض يمكن تحقيقه باللجوء إلى القمح الروسي والأوكراني، أو الدرجات الأقل  بما لا يؤثر على مواصفات الرغيف البلدي، وبالتالي فأن الوفر المنتظر تحقيقه؛ قائم بالفعل  ومتحقق نتيجة  شراء أقماح متوسطة السعر أو رخيصة.

4– صعوبة التراجع:  بعد تطبيق التجربة سوف يكون التراجع عنها عملية شبه مستحيلة، لأن هذا التراجع قد يؤدي بالإطاحة بالفريق الذي وقف خلف هذه التجربة؛  وقد حدث ذلك في تجربة خلط دقيق القمح بالذرة في إنتاج الرغيف  البلدي؛ فعندما أثرت عمليات الخلط على جودة الرغيف؛ وأدت إلى فاقد اقتصادي على المستوى القومي تجاوزت  كل الوفر المزعوم؛ نتيجة تحول سكان القرى إلى استخدامه الرغيف كعلف للطيور، وشريحة من المستهلكين بالمدن كانوا لا يأكلون إلا وجه الرغيف،  كما أن الكثير من أصحاب المخابز كانوا يقومون ببيع الذرة للمزارع  كعلف حيواني، ورغم وضوح هذا الخلل أمام الفريق الذي وقف خلف هذا التجربة؛  إلا أنهم وقفوا حجرة عسرة أمام وقف التجربة؛ لأن ذلك من وجهة نظرهم يطيح بالإنجاز الشكلي الذي حققوه؛ وتأسست شرعية وجود بناءً عليه ببعض بالمناصب؛  وظلت ميزانية الدول تتحمل هذا الهدر في المال العام؛ إلى أن تم وقف هذا المشروع بأكمله، ويخشى من ذات المصير حال إخفاق الجدوى في تطبيق هذه التجربة الجديدة.

5– افتراض الحالة المثالية: يكمن الخطأ الذي يواكب بعض التجارب الأولية للرغيف المخلوط؛ أن النتائج تبني على الظروف المثالية؛ بمعني أن القياس قد يكون على الإنتاج وفقًا للجم الصغير  حتى ثلاثة أجوله،  بيد أن النتائج قد تغيير عند التطبيق في المخابز التي يتجاوز فيها الإنتاج عشرة أجوله، أو القياس على نوعية جيدة من الدقيق، أو افتراض توافر مستلزمات الإنتاج بكل عناصرها، في حين أن الواقع العملي قد يكون أقل من ذلك بدرجة ما، وهذا يتطلب وضع كل الظروف في الحسبان خلال التجارب الأولية.

 

وعليه:  تشير الدراسة الأولية إلى أن عملية إنتاج الرغيف البلدي المخلوط بنسبة 30 % من دقيق الشعير، ذات جدوى اقتصادية رغم ضآلة الوفر المالي المحقق، لأنه سوف يتم تعويضها بالجدوى الصحية التي سوف تعود على المستهلك. وتوجد عدة بدائل للتطبيق منها:

 1- إرجاء تطبيق هذه التجربة على المستوى القومي؛ في المخابز التي تمدها الدولة بالدقيق البلدي؛ إلى حين الوصول إلى ابتكار مصري؛ يحقق زراعة الشعير محليًا وفقًا للجدوى المائية والإنتاجية، أو بالتدرج المقترن بحجم التوسع في زراعة الشعير محليًا.

 2- التطبيق المتدرج بتوفير الشعير اللازم عن طريق الاستيراد؛ على أن يتم الإنتاج حسب النطاق الجغرافي؛ بناءً على تفضيلات المستهلك الغذائية.

3- التطبيق الحر على المستوى الشعبي؛ بحيث توفر الدولة دقيق الشعير في منافذ بالمحافظات للأسر التي تود صناعة الرغيف المخلوط بالشعير بنفسها.

 ويجب على متخذ القرار؛ أن  يضع  في الاعتبار أن المشروع  قد يواجه مستقبلا صعوبة فنية عند التطبيق العملي؛ وعندئذ يجب وقفه؛ حتى يؤدي إلى هدر في المال العام كما حدث في الرغيف المخلوط الذرة.

وهذا مع الاستعداد لإعداد دراسات جديدة؛ بخصوص منظومة الخبز يمكن أن توفير مليارات الجنيهات لصالح الدولة المصرية؛ متى طلب مني ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.