واقعٌ يصنعهُ الخيال .. الحرافيش وصناعةُ الثورات

عصام التيجي .. يكتب : 

0

لم أكن يوماً في حياتي سياسياً أو ثورياً ، ولا حتى يستهويني الحديث في “السياسةِ” أو “الرياضة معشوقةِ الجماهير” ، رغم اقترابي من دوائرِ صنعِ اتخاذ القرار بحكمِ طبيعةِ عملي والتي تفرضُ علي في بعض الأحيان التعامل مع مثل هذه الأحداث ، ليس غريباً أو عيباً وإن رأى البعض غير ذلك ، فلكلٍ منا ميوله واتجاهاته .

لكن أعشقُ النقد ويستهويني الإسقاط ، أبحثُ في رواياتِ شكسبير عن نهاياتِه المأساويةِ المتيم بها في إطارِ صراعِ شخوصِه بين قوى الخيرِ والشر ، الحبِ والكراهية ، الصراع بين الحياةِ والموت ، والأهم فكرة أكون أو لا أكون .

أعشقُ استفزازي الذي يخلقه بداخلي أدباء الغرب ممن برعوا في كتابةِ الشعر والنثرِ والروايةِ بأسلوبٍ ربما يصعبُ التنقل بين مفرداتِه بسهولة ، وهو ما يجعلُ من هذا الصراع متعةً للتحدي .

تستهويني الغيرةَ الحميمةَ بيني وبين أصدقائي الشعراء عندما أجد كلماتَهم الشعريةَ وتعبيراتَهم الجماليةَ تتنقلُ بين دروبِ الحبِ تارةً والإسقاطِ السياسي والاجتماعي تارةً أخري في سهولة ويسر ، وليس أمامي غير شرف المحاولة والقفز إلى ساحتِهم التي أرى فيها سعادتي .

أعشقُ الروائي والأديب العالمي نجيب محفوظ لاقترابِه الشديد من الواقعِ ورصده لكل دخائلِ النفسِ البشريةِ بمهارةٍ شديدةٍ وبساطةٍ يفهمها الجميع ، حيث يرى الناس كما هم في الواقع ، وليس كما يُـريد أن يراهم .

“الحرافيش” ملحمةُ محفوظ ودُرةُ أدبِه وأكثرُ أعمالِه قدرةً على تجسيدِ الخيرِ والشر ، الحقِ والباطل ، الظلمِ والعدل ، هم ملاذي في البحثِ عن حقيقتِهم والمعاني المختلفةِ لكلمتِهم ، عندما وصف الأديبُ العالمي في ملحمتِه الحارةَ المصرية بالنموذجِ المُصغَّرِ للكون كله ، وراح يُصورُ عبرَ عشرِ حكايات ، كل حكاية منها تمثلُ جيلاً من الحرافيش مسيرةَ الحياة وتقلُّباتِ الزمن ، مثلما فعل شكسبير في أهمِ وأشهرِ رواياتِه المسرحية : هاملت ، ماكبث ، عطيل ، الملك لير ، يوليوس قيصر ، تاجر البندقية ، روميو وجوليت ، وترويض النمرة ، فصراعُ الخيرِ والشر هو بدايةُ الحدوتهِ في هذا الكون والهدف الرئيسي الذي خُلقنا من أجله .

ربما اختلفت كلمةُ الحرافيش من زمنٍ لآخر ، حيث فسر النجمُ الراحل أحمد مظهر ” أول من أطلق اللقب على أعضاء شلتهِ من الحرافيش” أن الكلمة من أصل تركي و تنقسم إلى “حارة” و “فيش” أى بدون حارة ، فالحرافيش هم من ليس لديهم حارة ، وهو مصطلح يشبه “الصعاليك” ولكن لا أعلم كلمة الحرافيش موجودة في قاموس اللغةِ العربيةِ أم لا ، ليرد الأديب العالمي نجيب محفوظ بأنها غير موجودة لأنها كلمة عامية .

ولكن مع البحث في معجم المعاني الجامع نجد أن “حرافيش” جمع حرفوش وتعني سفلة الناس وأرازلهم وهم من تهيؤوا للقتال .

كما أن في العصر المملوكي أُطلِقَ على المصريين سكانِ القاهرة من الطبقاتِ الشعبيةِ خصوصاً الحرفيين ، ألقاب الحرافيش أو العوام أو الزعر ، وفي نهايةِ العصرِ المملوكي ساد لقب الحرافيش واستمر علماً على الطبقاتِ الشعبيةِ حتى نهايةِ العصرِ العثماني ، فهم من قضوا على سطوةِ المماليك والعثمانيين ، هم أجدادُنا مِلح أرض مصر وأصلها ، وكما قالت أم المصريين السيدة صفية زغلول “الحرافيش” كالرمال تتحملُ السيرَ فوقها ، ولكن لو ثارت فهى تعصفُ بالظالمِ وتهلكه .

أياً كانت الكلمةُ لها أصل في اللغة أو درب من دروبِ خيالِ المؤلفينَ فشخوصها أصبحوا واقعاً ومصدراً لإلهامِ المبدعينَ الباحثينَ عن قراءةِ الأحداث ومفجري الثورات عبر تاريخِ مصرَ القديمِ والحديث .

فالحرافيش بلغةِ نجيب محفوظ الذي أعطى للكلمةِ رونقاً وهذب معناها هم “عاشور الناجي الجد والابن والأحفاد” الذين عادوا إلى قلبِ القاهرة لرفعِ الظلمِ والطغيان عن أهالي المحروسة ، هم “النبوت” الذي شد رحالَه لمواجهةِ قوى الشر ، هم “نقاءُ وصفاءُ وقوةُ قلبِ المصريين” الذين قاوموا الاحتلال وثاروا على المحتل ، هم “طبقةُ البروليتاريا” إن جَازَ التعبير في مواجهةِ البرجوازية المتعفنة والطبقات الأرستقراطية الاحتكارية لكل مقدراتِ هذا الوطن .

الحرافيش هم من صنعوا ثورات مصر المتعددة وصولاً إلى ثورتي 25 يناير و 30 يونيه مع الشباب ومازالوا ، هم من يثورون على الفسادِ و غلاءِ الأسعارِ وجشعِ التجار ومحتكري الأسواق .

الحرافيش هم من يبنون مصرَ الحديثة بأموالِهم وسواعدِهم وعرقِهم ، هم أبناءُ مصرَ الفرعونيةِ الذين قضوا على الهكسوس وثاروا على الطغاةِ والمفسدينَ وأبداً لن يكونوا سفلةَ الناسِ وأرازلهم “بالمفهومِ الدارجِ والشائعِ للكلمةِ لدينا” بل هم عليةُ القومِ وتاجُ رؤوسهم ، فأبداً لن يحيدوا عن حمايةِ مصرَ من كيدِ الأعداء ، فهم دائماً صناعُ التاريخِ الخالد عبرَ العقودِ والأزمان ، وصناعُ الثورات وقتَ المحنِ والأزمات التي يمكن أن تعصف بالبلاد .

عصام التيجي


اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات في بريدك الإلكتروني.

اترك رد

اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading