جبل المرار (الحلقة الثانية)

0

جبل المرار

(الحلقة الثانية)

ظل د. محرم ساكناً لا يتحرك وكأنه قد أصيب بشلل مؤقت ناظراً إلي أناس لايعرفهم ولكنهم كانوا ينظرون إليه بكل حدة وكانوا يوخزون بإبرهم من كل عين هامة بمجسمات العرائس الورقية التي بين أيديهم جميعاً وكانت وجوههم يكسوها غبار يأتي من أعلي جبل المرار علي رؤسهم دون حتي أن ينفضوه وصارت الصورة أشبه بجثث أتت للتو من مقابرها.

ولكن كانت شفاها تتمتم وتستعيذ بالله وتضع كل أم يدها علي فم صغيرها حتي لا يصدر صوتاً أو صريخاً أثناء الهمهمات ونباح الكلاب وظلت صورةالوجوه تقترب رويداً رويداً فقط بمخيلته هو وزادت حدقة أعينهم إتساعاً حتي تلاشي سواد أعينهم ولا أحد منهم ينظر تجاه المنشد أو نحو العروسة نوها حتي جثمت صورتهم تلك علي صدره فإقترب منه ضرغام وسالم وطلبا منه أن يوخز بإبرته مجسم العروسة التي وضعتها له أم العروسة نوها.

ولكنه رفض ذلك فهو الآن يتمتع برؤية المنشد وهو يتمطّع وفرقته تتمايل يميناً ويساراً فلمست أصابعه عن غير قصد أزرار هاتفه وإذا بنوره الجلي ليريه جرواً صغيراً يجثو علي فخذيه ولكنه سرعان ماإختفي وسط همهماتهم وإستعاذاتهم ونباح الكلاب الآتي من فوق جبل المرار.

فأخذ يبحث عنه بين قدميه ربما سقط أرضاً فسأله ضرغام قائلاً هو انت بتدوّر علي أيه يادكترة ؟

فقال له جرو صغير كان قاعد علي حجري وإنقطع صوت نباح الكلاب فجأة وإنقطعت معه أصوات الهمهمات والإستعاذات وعادت الوجوه المغبّرة تنظر من جديد و مرة أخرى إلي العروسة نوها وطلبت أم نوهامن العروسة أن تتبعها مع بعض النسوة السمان وكانت الدخلة بلدي في منزل جدها الذي لم يظهر حتي الآن .

ومرت العروسة نوها بجوار د.محرم وعندما إقتربت منه خبأت رأسها في صدر عريسها فضحك د. محرم ظاناً أنها قد تكون زبونة أتته عيادته وحجب عنها الفضيحة بعملية محرمة وربما توسلت إليه ليأخذ مايريد مقابل أن يحافظ علي شرف العائلة وبعد قليل خرج جد العروسة نوها وهو يحمل رقعة من القماش الأبيض ملطخة بدم العروسة رافعاً رأسه وكان العريس يسير خلفه رافعاً يده مشيراً بإصبعيه مفتوحين كعلامة النصر .

وذهبت الشائعات التي راجت وكانت تحاصر العروسة نوها أدراج الرياح ويالسذاجة البشر عندما يختزلون الشرف في قطعة من الجسد إن صلحت صلح العالم وإن فسدت قامت الدنيا ولم تقعد وعادت الحياة إلي شبه طبيعتها حتي سمعوا بكاءاً ونحيباً وعويلاً يأتي من أحد المنازل البعيدة فقد مات طفلاً للتو وكان في العاشرة من عمره متأثراً بالخوف والذعر من المجهول وبدأ الشجار يدب بين زوج وزوجته حتي ألقي عليها زوجها يمين الطلاق وقام رجلاً آخر بطرد أمه وأبيه في منتصف الليل ليرضي زوجته وكانت تلك المشاهد المتكررة تحدث حتما ً بعد هدوء كلاب جبل المرار.

ظل د.محرم يشاهد ويسمع مالم يشاهده ولم يسمعه من قبل فسأله ضرغام قائلاً وهو يضحك .. أيه ؟ لقيت الجرو ولا لأ ؟

فقال له د. محرم وهو شارد الذهن مش لاقيه والله وطلب منه أن يستخدم الحمّام فأخذه إلي الداخل فأضاء د. محرم مصباح هاتفه وحاول الإتصال بميار هانم صافي ولكنه لم يجد أثراً للشبكة وفرغت بطارية الهاتف فقابلهما جد العروسة قائلاً لهما بكل سماحة عاوزين حاجة يارجالة.

فقال له ضرغام الحمّام عشان الضيف عاوز يعمل زي الناس فقال له خش ياابني الكنيف فاضي ودخل د. محرم يتحسس الحوائط وأخذ يتذكر عملياته الجراحية المحرمة من تحويل أجناس وترقبع المهترئ وتصغير وتكبير ونفخ إلي آخره …..

فسقط مغشياً عليه وبعد أكثر من نصف ساعة أخرجوه محمولاً ووضعه ضرغام علي دكة بعد أن فرشها له بفرو خروف وألقي عليه ببطانية مليئة بالثقوب فقد كان د. محرم منذ ثلاث سنوات تقريباً لا يمتلك عيادة ولا شقة ولا سيارة أحدث موديل ولكنه كان من عائلة ثرية وكانت تأتي إليه سيدة منقبة تعمل كسمسارة حالات محرمة تلجأن إليها صاحبات الحاجة سراً فتأتي بهن إلي العيادة سراً وكانت تستفيد كالمنشار ….

وفي الصباح الباكر إستيقظ د. محرم ليجد نفسه في مكان غير معروف فالمناخ العام والمكان وسطوع الشمس مبكراً كل شئ حوله غامض نظر إلي الدكة التي كان يرقد عليها ثم إلي الغطاء الذي تلحف به طوال الليل دون أن يدري مالذي أتي به إلي هذا المكان القفر ولم يستطع حتي أن يصل إلي معلومة واحدة تؤكد له أنه علي قيد الحياه من عدمه أو حتي يتعرف علي أحد من سكان هذا المكان الغامض فوقع نظره علي هاتفه فأراد أن يعرف الوقت إلا ّ أن الهاتف أيضاً رفض أن يدله فقد كانت البطارية فارغة ….

حاول أن يتذكر أي شئ دون فائدة فنهض ليتعرف علي المكان ربما يجد أحداً فاتجه نحو الحمّام فدخله ليستخدمه فهو لم يستخدمه بالأمس فرأي الجرو مرة أخري فرفع ملابسه وهم ليأخذه فسمع صوت نقراً خفيفاً علي الباب ولم يجد الجرو أمامه وذهب ليفتح الباب ليجد سالماً وقد جهّز له بعض الطعام فطيرة مشلتتة بعسل النحل من صباحية العروسة نوها وقال له بسم الله يا دكترة لقمة كده علي قد ماقُسُم وضرغام بيلف لنا سيجارتين عشان نصطبح بيهم وجاي ورايا..

لم ينبس دكتور محرم ببنت شفة ولكنه أخذ يتطلع لوجه سالم ثم سأله جاداً عن هذاالجرو قائلاً فين الجرو ؟

ثم أردف قائلاً إذا كانت حركة بتعملوها معايا إنت و ضرغام عشان أضحك …

فقاطعه سالم قائلاً باين عليك ياحلو جالك كابوس بس تقيل حبتين فضحك سالم وأتي ضرغام قائلاً صبّح صبّح وأحلي صباح لأجدع دكتور عرفته البشرية جمعااااء فقال له ضرغام انت فاكر الواد اللي كان جنبك إمبارح ولعب في الموبايل بتاعك فتذكر د. محرم أن يشحن الهاتف من السيارة وسأله د. محرم آه إفتكرته ماله ؟ فقال له ضرغام ده مات …

مات م الخضة إمبارح فسأله د محرم يعني اللي حصل إمبارح ده كله كان حقيقي ؟ فقال له سالم بإندهاش طبعاً حقيقي ده بيحصل أكتر من كده كمان ده حتي امبارح ربنا سترها قوي لجل وجودك والله.

وبكرة نكمل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.