قطر .. وكأس اللُحمةِ العربية

عصام التيجي يكتب:

0

دربٌ من دروبِ الخيال أن أمضي متحدثاً عن معشوقةِ الجماهير في أنحاءِ العالم قاطبةً “كرة القدم” ، وأنا للأسف الشديد عكس الغالبيةِ الساحقةِ ممن يعشقونَ هذا النوع من الرياضةِ الجماهيرية ، وإن جازَ التعبير لستُ متابعاً جيداً ، رغم شعوري بالسعادة بمجردِ السماع بفوز النادي الذي كنت أُشجعه منذ الطفولةِ ومازلت انتمي إليه وجدانياً سواء في مباراياتِه المحليةِ أو الإقليميةِ والدولية وبالطبع منتخب بلادي ، فالغيرةُ والحماسةُ هما الباقيةُ المتبقيةُ التي مازلت احتفظَ بها في نفسي ، لكن أن تأخذني الجرأة وأنا لستُ متخصصاً كي يسطرَ قلمي بعض الكلمات عن هذا النوع من الرياضةِ وغيرها فهذا شئٌ أرى أنه مستحيلاً ، فماذا حدث؟ .

ما حدث هو حالةُ استنفار داخلي زلزل كياني وعروبتي بعد متابعتي لهذه البطولةِ الاستثنائية لكأسِ العالم في دولةِ قطر الشقيقة التي أعادت اللُحمةَ العربيةَ من جديد ووحدت الصفوفَ خلفَ هدفٍ واحدٍ ، أننا كيان لن يتفرقَ أبداً ، وسنظلُ على قلبِِ رجلٍ واحدٍ مهما حاك بنا من خلافٍ أو مشكلاتٍ من الممكن أن توثر علينا ، لكنها لن تستمر حتى لا نشمت فينا أحداً ، لتأتي كرة القدم وهذه البطولة لتُعيِدَ هذه اللحمةُ ولنثبت للعالمِ أجمع أننا قادرون على ما يراه البعض فينا مستحيلاً .

ما أن تم الإعلانُ منذُ 12 عاماً عن منحِ دولةِ قطر الشقيقة شرف استضافة النسخة الثانية والعشرين من بطولةِ كأسِ العالم لكرةِ القدم عام 2022 “في قرارٍ أثارَ جدلاً واسعاً” ، والخوف ملأ القلوب ، فكيف لهذه الدويلة الصغيرة الدخول في حلبةِ المنافسة مع الكبار المتخصصين في تنظيمِ البطولاتِ الرياضية ، في سابقة هي الأولى من نوعِها داخل عالمنا العربي ، ومن؟ “قطر ! ” أصغر هذه الدول مساحةً وليس قيمةً أو قدرةً مادية ، فنحن جميعاً كبار بعظمةِ شعوبِنا وعقولي مبدعِينا في مختلفِ المجالات ، بل ونحن من نصدرُ أبنائَنا إلى دولِ العالم لرفعِ رايةِ أمتِنا العربية .

وعلى مدارِ السنواتِ الماضية حتى انطلاقِ البطولةِ استثمرت دولةُ قطر المليارات ليصبح مونديال 2022 الأغلى على الإطلاق بتكلفة تجاوزت عتبة 200 مليار دولار ، وسط تقديرات بأن هذه التكلفة قد تتساوى مع ما جرى إنفاقه على واحدٍ وعشرينَ بطولة سابقة مجتمعة ، لتثبت أنها من صلبِ العصبِ العربي وقوامه الذي لا ينكسر ولن يُهزم أبداً ، وحولت مدنها وشوارعها المحدودة إلى عاصمةٍ رياضيةٍ بملاعبها المجهزة بأحدثِ التكنولوجياتِ العالميةِ وأماكنِ التسوق والتنزهِ السياحية.

فمن البداية عَزمت الدولة العربية الشقيقة أن تعكس ملاعبها وكافة مدنها الجوانب التاريخية والثقافية لها ، وتوافق تصميمات الملاعب كي تحقق الإرث والراحة وإمكانية الوصول والاستدامة ، وقد تم تصميم جميع مشاريع الملاعب الخمسة التي أشرف عليها المهندس المعماري ألبرت شبير وشركاؤه تماشياً مع هذا الهدف ، لتتجه الأنظار إلى دولة قطر الشقيقة متابعةً لأهم الدورات التي تم تنظيمها منذ انطلاق بطولة كأس العالم عام 1930 ميلادية .

لن نتوقف عند المنتخبِ القطري ومستواه في هذه البطولة ، فنجاحُ التنظيم يفوقُ الكثير من الاخفاقات ، وما قدمه منتخبا السعودية والمغرب الشقيقان في البطولة من مستوىً راقٍ ووصول المغرب إلى المربعِ الذهبي بفوزه على بعض المنتخبات الدولية التي يظن الكثير أنها لا تقهر هو العوضُ والنجاحُ الحقيقي لكل العرب ، لنؤكد للعالم أجمع أننا قادرون بل مصرون على حجز مكاننا في لوحة الشرف الدولية .

وهنا نستطيعُ القول بأن كرة القدم في عالمِنا المعاصر الذي أصبح قريةً صغيرة تعدُ الجسر الرابط بين الشعوب وإحدى وسائل تعزيز الحوار والتسامح والتفاهم ، بغض النظر عن الاختلافات والتناقضات الثقافية والايدلوجية والانقسامات السياسية بين الدول ، لاسيما في أوقات النزاع أو انعدام الاستقرار .

فضلا عن ذلك ونتيجةً للظروف والتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي يعيشها العالم أصبحت كرةُ القدم بمثابةِ المرآة التي تستطيع من خلالها الأمم النظر إلى نفسها وتقديم الصورة الإيجابية عنها إلى العالم ، فلم تعد كرةُ القدم تملك قدرة التأثير على السياسةِ فحسب بل أصبحت إحدى وجوهها ، لذا ليس غريباً أن يتسابق أهل السياسة ورموزها عبر التاريخ على توظيف هذه اللعبة للتأثير على قناعات الجماهير وميولهم ، وعليه فقد نجحت كرةُ القدم عبر سرعةِ انتشارها الهائل وسهولةِ تقبلها في اختزالِ الشعوب بمختلفِ انتماءاتِهم وطوائِفهم وأعمارِهم ، لتجعل منهم حالة تعكس مدى التلاحم وتكريس روح المواطنة والانتماء والهوية الوطنية الجامعة بعيداً عن الانتماءات الضيقة الأخرى ، وهو ما اظهره الجمهور العربي في البطولة والتفافه حول منتخبات وطنه العربي التي أثبتت قدرتها بين الكبار على صنع المستحيل ، فالبصبر والمثابرة والحب والانتماء لا يوجد مستحيل وبالعزيمة وتحمل المسئولية نستطيع تخطي الصعاب .

وتتويجاً للنجاحات التي حققتها قطر خلال فترةِ استضافتها البطولة ، جاء حفل الختام ليليق بتاريخ وعظمة وطننا العربي ، وتأتي المباراةُ النهائيةُ على أرض دولتنا الشقيقة من “حسن نواياها” أعظم نهائي يقدم في تاريخ كأس العالم منذ انطلاقه ، بين منتخبي الأرجنتين وفرنسا ، ليتوج الاول باللقب وحصوله على كأس العالم “قطر 2022” بعد غياب دام ستة وثلاثين عاماً ، ليختتم به ليونيل ميسي مشواره الكروي حسبما أعلن سابقاً بأن مشاركته هذه ستكون الأخيرة مع المباراياتِ الدوليةِ لمنتخبِ الأرجنتين ، ليعيد أمجاد أسطورة الكرة الارجنتينة الراحل ماردونا وفوزه بأفضل لاعب في المونديال ، ويقدم منتخب فرنسا حامل اللقب السابق والذي فاز بالمركز الثاني في البطولة أداءً مشرفاً بفضل لاعبه الأسطوري كيليان مبابي الحاصل على الحذاء الذهبي كأفضل هداف المونديال .

هنيئاً لدولةِ قطر نجاح التنظيم وحسن الاستضافة وتوفير الأمن والأمان لكافة المشاركين ، لتبرزَ فرصةً فريدةً من نوعِها لتغيير الصورة النمطية عن العالمِ العربي والمنطقة التي تتصدرُ الأخبار بأنها منطقةٌ مليئةٌ بالصراعاتِ والحروب ، ولتعريفِ العالم بالثقافةِ العربيةِ وإظهارِ قيمِ التعايش واحترام الآخر .

هنيئاً لمنتخب السعودية على المستوى الراقي الذي قدمه في البطولة ، وكافة المنتخباتِ العربيةِ والإفريقيةِ المشاركة .

وقفةُ إجلالٍ وتقدير ، بل انحناء لمنتخب المغرب الشقيق الذى رفع راية العرب وأضاف نجاحاً للبطولة بحصوله على المركزِ الرابع عالمياً ، وكأن القدر أرادَ أن يعيد لُحمتنا العربية من جديد بعد محاولةِ المغرضينَ تفريقها ولكن بأرادة الله لا ولن يفلحوا ابداً ، ليستحق مونديال قطر أن يطلق عليه “كأس اللُحمةِ العربية” .

بقلم / عصام التيجي

اترك رد