الأنانية لا تحقق سعادة … ولا تبني أمة

أ.د إبراهيم درويش يكتب:

0

المجتمعات تنهض بالمحبة والتعاون والإيثار ولا يمكن أن ينهض مجتمع أفراده قائمون على حب النفس والأنانية ..

والمؤمن الحقيقي قدوته النبي محمد صلى الله عليه وسلم فى أخلاقه، فهو المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق…ويظهر ذلك فى معاملاتك مع الناس ..

فالأخلاق الكريمة تقود صاحبها إلى كل الصفات التى تؤدى إلى البذل… والحب…والعطاء..والإيثار والتسامح..والعفو ..والصفح.

والناس فى الإسلام سواسية لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى، والعمل الصالح (إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وأسس لذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر- صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة فعقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار… فأصبحوا إخوة متحابين،

كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)، وزالت الأنانية من بينهم، وصاروا كالجسد الواحد كما وصفهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم “مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” لذلك سادوا العالم.

فهل يليق بعد ذلك أن يكون المؤمن أناني.. لا يهتم بمن حوله من أفراد مجتمعه…جاعوا… أم شبعوا.. والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع؛

صحيح من الطبيعي ومن دواعي الفطرة أن يحب الإنسان نفسه ويحرص على تلبية رغباتها…

لكن مكمن الخطورة إذا تغلبت عليه نفسه ولم يكبح جماح شطحاتها بالعقل..والدين.. فتسوء أخلاقه وتصرفاته ويتعامل مع الناس كأنهم عبيد إحسان…

فالإنسان الأناني متكبر قدوته فرعون؛ الذى دعته أنانيته، وحب السلطة؛ بأن يدعي الربوبية، فأهلكه ربه وأخذه نكال الآخرة والأولى عندما قال: كما قال الله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.

ألأناني يتحول من شخص طبيعي إلى كائن آخر بلا قلب يحب نفسه وذاته ويقدمها على كل الناس ويقول دائما نفسي، وروحي، وتتحول عنده كلمة (انا) من التعيين والإخبار عن الذات إلى الإعتداد بالنفس..والتى تسمى بالأنانية الوقحة، والتي يرى فيها الأناني أنه الأفضل والأحسن بغير حق ولا يراعى مكانة أو عمرا أو تخصصا..ويكون قدوته إبليس الملعون الذى منعته أنانيته من طاعة الله– عز وجل-، بالسجود لآدم- عليه السلام-، كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾

الشخص الأناني يتعالى على جميع الخلق حتى على زوجته أو زملائه أو أصحابه..ومجتمعه. معتبرا نفسه فى طبقة أعلى أو صاحب الرأي السيد والعقل الرشيد..فهو لا يرى إلا نفسه، ولا يهتم إلا بذاته، فإذا كان زوجا..كان زوجا غليظا قاسي القلب لا يرحم.. ولايرى إلا نفسه.. وكأن زوجته هى الخادمة التى اشتراها لنفسه..وليس لها الحق أن تشكو. أو تتألم

وإذا كان زميلا كاد لزميله بكل الوسأئل..ويكون سببا فى أذيته..

وإذا كان أخا واختلف مع أخيه قد تصل به أنانيته إلى حرمانه من الميراث. وقد يقتله، ولنا فى قصة قابيل التى دعته أنانيته؛ لأن يقتل هابيل، قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)..

الأناني لا يراعي الصداقة ولا الزمالة.. ولا يراعي المشاعر، وتؤدي به أنانيته بأن يصبح مثل صاحب الجنة، يقول تعالى: (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ). وكلنا نعلم ماذا فعل الله لجنته جعل عاليها أسفلها..عندما لم يرتدع بنصيحة صاحبه؛

والمسؤول الأناني أيضا.. تظهر عنده حب السيطرة والإذلال..روكل همه نفسه أن يخدمه الجميع ويسبح بحمده كل من يعرفه.. وعلى الكل السمع والطاعة وإلا صب عليهم جام غضبه… ويأخذ ولا يعطي لأنه يعتقد أنه فوق الجميع.

وصاحب هذه الأخلاق البغيضة المتكبر الذي يأخذ ولا يعطي ولا يراعى احتياجات الناس كل الذى يهمه الكسب السريع بأي وسيله ولا يرى حال مجتمعه، ولا يحس بهم بل قد يحتكر قوتهم..ويرفع الأسعار عليهم، فإذا كان الله عاقب أصحاب الجنة الذين بخلوا الصدقات، فما بالكم بمن يكون سببا فى معاناة الناس.. بأنانيته وجشعه واحتكاره..قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ )

والشخص الأناني يكره كل من يتعامل معه، فقد قيل من أحب نفسه كرهته الناس.. ولن ينال أي حب أو تقدير أو احترام من أحد..ولن يأخذ من الناس.. ما لم يقدمه لهم.. بل ينال منهم الدعاء عليه بما يستحق..

وهناك سؤال هل لا يعرف الشخص الأناني والمتكبر أنه مكروه؟

فقد سئل حكيم مثل ذلك : لماذا الإنسان يرى عيوب غيره ولا يرى عيوب نفسه؟ فأجاب: لأن..لأنه يحب نفسه، فالإنسان لا يرى عيوب من يحبه…

أو يعرف لكنه لا يهمه رأي الناس فيه وهذا قمة الطغيان ..

الخلاصة ..

لا تكن ..أنانيا…وعامل الناس كما تحب أن يعاملك الناس به

فالأنانية صفة مقيته.. لا يجنى من ورائها صاحبها إلا لعنة من الله، وطرد من رحمته.. وعدم بركة فى عمره وأولاده وماله والبغض والكره، حتى من أقرب الناس إليه.. فكما تدين …تدان ..

ولا تنتظر مني ما لا أجده فيك.. وكيف تطلب مني ما لم تقدمه لى. فالبداية تكون من عندك أبدأ بنفسك.. وعامل الناس كما تُحب أن يعاملوك،

فإذا أردت أن يحترمك الناس احترمهم، وإذا أردت تقديراً منهم قدرهم،

ولا تتوقع من الناس شيئاً لم تبادرهم به فتصرفات الناس معك تحدّدها تصرفاتك معهم!

ولا تطلب منهم المستحيل وأنت لم تفعل لهم الممكن فالبعض يطلب من الطرف الآخر ما لا يطيقه أو يبدأ بنفسه هو ..والإحسان والعَطاء تعامُل وليس تبادل.. فكلما أعطيت بلا مقابل، كلما رُزقت بلا توقع، وكن كريم النفس، حسن الخلق مهما كان… واعمل الخير بصوت هادئ، فغداً يتحدث عملك بصوت مرتفع.

 

بقلم  .. ا.د /ابراهيم درويش أستاذ المحاصيل الحقلية ووكيل كلية الزراعة جامعة المنوفية


اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading