جبر الخواطر خلق يوثق العلاقات ويعالج المشكلات

أ.د إبراهيم درويش يكتب:

0

 

جبر الخواطر خلق وعبادة يستهين بها الناس …مع انها وسيلة لتوطيد العلاقات وهى مفتاح الحل لكثير من المشاكل الاجتماعية .

مفهوم جبر الخواطر

—————————

جبرُ الخواطرِ هو الإحساسُ بآلامِ الناسِ وعدمُ جرحِ مشاعرِهِم ، ومواساتِهِم في مصابهِم، والوقوفُ بجانبهِم في الشدائدِ والكروباتِ..

وجبر الخواطر خلق مقوي للعلاقات الانسانية وضامن لاستدامتها وزيادة اواصر المحبة.

وهو سلوك يعلى من فكر الانسان تجعله يتغاضى عن الهفوات ويسمو فوق الاحداث والتحديات والمواقف والمشكلات

فكلمة بسيطة تقولها برحمة تعالج امراض القلوب..وتجبرها

وكلمة طائشة بلامعنى تكسر القلوب وتجرحها..

كسر الخواطر يؤدى الى زيادة المشاكل

————————–

للأسف أصحابَ القلوبِ المنكسرةِ كثيرون، وكثُرَ الجشعُ والطمعُ وطغتْ المادةُ والشهواتُ على القيمِ والمثلِ، وانتشرتْ الخلافاتُ الأسريةُ والزوجيةُ، وكثُرتْ المشاكلُ وكثُرَ الطلاقُ وكثُرَ الحقدُ والبغضاءُ والكراهيةُ بين الزملاء والاصدقاء والاقارب وذوى الارحام..

والسببُ هو سوء الاخلاق و عدمُ جبرِ الخواطرِ…وعندما تسأل اين العقل والقلب .؟.تجد ان العقل قد غاب والقلب اصبح قاسيا بفعل الانانية والكبر وحب الذات …

و كل المشاكل بين الناس على جميع المستويات..سواء داخل الاسرة او بين الزملاء فى العمل سببها كسر الخواطر .. وعدم تقدير المشاعر والانانية المفرطة والكبر والعناد وكان يمكن ان تحل كل المشاكل بكلمة طيبة تجبر الخواطر .او طبطبه تهدأ من آلام النفس …

وتزداد المشاكل وتتفاقكم عندما لا تقدر جهود الاخرين .. وتضع نفسك مكانهم وتحس بهم وآلامهم ..وتنكر وتجحد حقهم فى الاشادة والتكريم .

مثل هذه الشخصيات…بلاشك فاقدة لابسط العلاقات الانسانية غير مقدرة للمشاعر ..تخسر كل يوم ..بقدر كسرها لقلوب الناس ..

الجبار اسم من اسماء الله عز وجل

—————————————–

ولقيمة الجبر .. سمى الحق نفسه بالجبار فهو اسم من اسماء الله الحسنى وهو يعنى الجابرِ للقلوبِ المنكسرةِ، وللضعيفِ العاجزِ، ولِمَن لَاذَ بِه ولجأَ إليهِ، فكم مِن مريضٍ جبرَ اللهُ خاطرَهُ فشفاهُ!! وكم مِن فقيرٍ جبرَ اللهُ خاطرَهُ فأغناهُ !! وكم مِن مكروبٍ جبرَ اللهُ خاطرَهُ ففرّجَ عنه كربَهُ !! وكَم مِن ضِيقٍ مَرَّ بالنَّاسِ ولَم يَكشِفْهُ إلاَّ اللهُ؟! يقول تعالى (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ )…

ولقد جبر الله قلوب أنبياؤه ورسله

فجبر نبى الله الخليل ابراهيم عليه السلام ووهب له على الكبر اسماعيل عليه السلام وفداه بذبح عظيم

وجبر خاطر نبيه زكريا بان وهب له يحى عليه السلام ,وجبر خاطر ام موسى عليه السلام بان رد عليها

وليدها …وجبر خاطر قلب نبى الله موسى عندما جاءت له احدى ابنتى يعقوب تدعوه ليجزيه على سقايته لهما وضمن له ألامن وزوجه منها .

.وجبر خاطر النبى صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة المكرمه وانزل عليه قوله تعالى (إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى ميعاد) ..وأسرى به الى المسجد الاقصى ورفعه الى السموات العلا..وكرمه بأن اطلعه على اياته الكبرى ..والامثلة كثيرة ..

جبر الخواطر هى المهمة الاولى للانبياء

——————-

ولذلك أعظم الأعمال الإنسانية..؟!

هى ” جبر الخواطر” لانها نوع من الرحمة بالضعفاء والمحتاجين ومن لهم حق علينا ..

وكانت مهمة كل الانبياء الاولى هى جبر خاطر الناس ، والإرتقاء بهم نحو الإنسانية ، و انقاذهم من الظلم و الضلال بالهداية والرحمة ؛ قال تعالى : ( وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ )..وجبر المحتاجين ، و تحسين أحوالهم المادية ، و البيئية ، و الاجتماعية ؛ من خلال فعل الخير و تطبيق الاحسان على المستويين المادي و المعنوي ،

محددات جبر الخواطر

——————————

جبر الخواطر نوع من مفهوم الرحمة الإلهية بالخلق له عدة محددات منها:

١ – جبر الخواطر : اصلاح النفوس بالمعروف ماديا و معنويا ، وتطيب القلوب بالكلمة الطيبة و إدخال البهجة عليها و السرور ، و أعمارها بالحياة والمؤازرة المالية ، والروحية ، و النفسية .

٢ – الرفادة : تقديم الخدمة الاجتماعية ، و الدعم الإنساني لكل محتاج .

٣ – الغدق : الخير الغزير ، والعطاء الكثير ، قال تعالى : ( أَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ) .

٤ – التراحم : التعاطف و التراحم بعضهما لآلام و معاناة البعض ، فيرحم الناس بعضهما البعض .

وفي الحقيقة نحن لا نقفُ على أقدامِنا، نحن نقفُ على قلوبنا

لذلك الكلمة الطيبة ترفعنا إلى السَّماء كالطيور، والكلمة السَّيئة تدفننا في الأرضِ كالموتى

لذا لم تكُن الكلمة الطيبة صدقة من عبث ، فبعضُ الكلمات تُعيد روحك من حافة السقوط. وعليك ألا تصمت عن الكلمةالطيبة مهما بدت صغيرة وبسيطة،وألا تحبس حديثًا جميلاً في صدرك،

ولا تتخيل كيف يمكن أن تُضيء

كلماتك جوف أحدهم ،قد ترحل

أنت وتظل هي معه….

جبر الخواطر عبادة

————————-

جبر الخواطر عبادةٌ مِن أعظمِ العباداتِ التي تنفعُ الإنسانَ قبلَ أنْ تنفعَ غيرَهُ، فمَن سارَ جابرًا لخواطرِ الناسِ جبرَ اللهُ خاطرَهُ، ومَن سارَ في قضاءِ حوائجِ الناسِ قضَى اللهُ عزَّ وجلَّ حوائجَهُ، وهي عبادةٌ جليلةٌ، وسهلةٌ وميسورةٌ، أمرَ بها الدينُ، قال عنها سفيانّ الثوري إمامُ الدنيا في الزهدِ والورعِ والحديثِ :ما رأيتُ عبادةً يتقربُ بهَا العبدُ إلي ربِّه مثلَ جبرِ خاطرِ أخيهِ المسلم.

وجبرُ الخواطرِ عبادةٌ لا تحتاجُ إلى أنْ تبذلَ مالًا أو جهدًا بل لها صورٌ متعدةٌ وكثيرةٌ ربَّما تكفِي ابتسامةٌ أو كلمةٌ طيبةٌ أو دعاءٌ بالخيرِ أو مساعدةُ محتاجٍ أو إغاثةُ ملهوفٍ، تكونُ جبرًا لخواطرِ الناسِ، وتكونُ سببًا في تأليفِ القلوبِ وزيادةِ التراحمِ، وإدخالِ السرورِ والسعادةِ إلى قلوبٍ متألمةٍ، ولهَا أثرٌ كبيرٌ على الفردِ والمجتمعِ .

صفات جابر الخواطر

————————–

هو انسان قبل كل شىء له مشاعر يحس بألام الاخرين واحتياجاتهم علاقته بالله قوية صاحب مشاعر متزنة ، يتعامل مع الناس بحكمة ويضع الامور ..فى نصابها .. وفي ميزانها الصحيح. وجبر الخواطر يدل على سموِّ النفسِ وعظمةِ القلبِ وسلامةِ الصدرِ ورجاحةِ العقلِ ووعي الروحِ ونبلِ الإنسانيةِ وأصالةِ المعدنِ،وطيبِ المنبتِ، ونقاءِ الأصلِ، وصفاءِ القلبِ، وحسنِ السريرةِ، والعكس هو الصحيح .

احق الناس بجبر الخواطر

———————————-

أحقُّ الناسِ بحسن الخلق وجبرِ الخواطرِ. هم أهلُ بيتِكَ بداية الوالدينِ أمُّكَ وأبوكَ، والزوجةُ، والبنات يقول النبى صلى الله عليه وسلم (فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ)، ثم الأقاربُ، والعاملين تحت قيادتك واليتامى والمستضعفين فى كل مكان .

 

لاتنسى الناس من يجبر بخاطرها

ولاتسامح من يكسر بخاطرها

——————-

جبر الخواطر من أجلّ وأثمن العبادات عند الله وأثرها عظيم في ميزان العبد وفي النفوس المُنكسرة !

ورحم الله الإمام سفيان الثوري حينما قال: “ما رأيتُ عبادة يتقرَّب بها العبدُ إلى ربه مثل جَبْرِ خاطرِ أخيه .

ولقد دخلت امرأة من الأنصار على عائشة في حادثة الإفك وبكَتْ معها كثيراً دون أن تنطق كلمة. تقول السيدة عائشة رضى الله عنها : لا أنساها لها…لانها جبرت بخاطرها وشاركتها الامها وحزنها

وايضا عندما تاب الله على كعب بن مالك بعدما تخلّف عن غزوة تبوك مع الثلاثة الذين تخلفوا واعتزلهم الناس …فعندما دخل المسجد مستبشراًفقام إليه طلحة يهرول واحتضنه. فرحا بتوبة الله عليه قال كعب بن مالك : لا أنساها لطلحة، اى قدرها له ..

.فالانسان لاينسى المواقف ولاينسى الكلمات فى اوقات الشدة واوقات الفرح ..

فمواقف الجبر في لحظات الانكسار لا تُنسى،..وكذلك مواقف الخذلان والاهانة لاتنسى ..فكلاهما فى الذاكرة والتاريخ ..

وصدقَ مَن قال :مَن سارَ بينَ الناسِ جابرًا للخواطرِ أدركَهُ اللهُ في جوفِ المخاطرِ, واعلمْ مَن جبرَ خواطرَ الناسِ جبرَ اللهُ خواطرَهُ , ومَن جرجَ الناسَ في مشاعرِهِم جرحَهُ اللهُ في مشاعرِهِ فالديانُ لا يموتُ

واعلم ان تبسمُكَ في وجهِ الناسِ تطيبًا للخواطرِ صدقةٌ، وكذا جَبْرُ خواطرِ المُعْسرين بإنظارِ المعسرِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْناً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعاً، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، شَهْراً، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لهُ، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ ىالأَقْدَامُ)..

ونعوذ بالله من شعور النفس الحزينة، وخيبة القلب المخبأة، وصمت الأحاديث، والعتب الظاهر في العين، وعجز الفعل، واصطناع الحال بغير ماهو عليه.‏‎”إذا رأيتَ أحدهم منطفئًا،فحدّثه كثيرًا عن مزاياه،حدّثه عن جمال قلبه، وروحه،حدّثه أنه أجمل شخص على وجه الأرض،وابتسم له ابتسامة حب ،وانثر عليه كلماتك الطيّبة،كرّر ذلك واستمرّ

حتى ترى منه الإضاءة والإشراق

قال تعالى :

﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾

 

بقلم ا.د / إبراهيم درويش أستاذ المحاصيل الحقلية ووكيل كلية الزراعة جامعة المنوفية

 

اترك رد