القدر ( الحلقة 2 )

الكاتب المصرى : احمد عشرى

0

( القدر )

(الحلقة الثانية)

قال غريب للكبير يعني أنت مش ممانع يابا ؟ رد عليه الكبير قائلاً ده قرارك مش قراري ثم ألقي عليه بنصيحته في قالب حكمة قائلاً له لو انت رايح تتوضي عشان تصلي ربنا هياخد بناصيتك لغاية ماتصلي ولو انت رايح خمارة عشان تشرب وتسكر برضه ربنا هياخد بناصيتك لغاية ماترجع سكران وشتّان بين الإتنين وطلب منه أن يصلي صلاة إستخارة قبل أن يأخذ قراره

وكانت صورة نرجس لا تبرح خياله ولازالت رائحة عطرها تفوح وقد إلتصقت بجلبابه وعندما سأل والدته عن نرجس إلاّ وأطلقت زغرودة جمعت بها نساء القرية حتي وصل الخبر إلي نرجس التي وافقت دون قيد أو شرط وكتب عليها وأخذها إلي القاهرة لتري أولاده وأبدت لهم حنانها وعطفها وقالت لنجاة إنتي بنتي من النهاردة ولكن نجاة ببراءة الأطفال قالت لها بس إنتي مش أمي فصفعها غريب علي وجهها قائلاً لها إنتي بت مش محترمة وناقصة رباية فأمسكت نرجس بيده قبل أن يضربها مرة أخرى وقالت له كفاية كده…

صارت نجاة تبكي وهي حاضنة أخواها زين وعبد الرحمن الصغيران حتي ذبلت عيناها
وقد كانت نرجس تعاقبها إذا ما رأت ضحكتها فأصبحت نجاة لا تحبذ الضحك وتمنت أن تلحق بوالدتها حتي أصبحت في الثانوية العامة

وفي مساء أحد الأيام ذهبت إلي جدو أشرف بمحل لعب الأطفال لشراء لوازم عيد ميلادأخيها الصغير عبد الرحمن وكان أشرف يحبها ويعاملها معاملة خاصة وكنت معه في هذا اليوم ورأيتها وكانت مسحة الحزن قد إستولت تماماًعلي قسمات وجهها فحاولت أن ألاطفها برقّة وأداعبها لتضحك ولكنها لم تفعل رغم أنها تحبني وتريد أن تتحدث معي دائمآ

ورغم ذلك باءت كل محاولاتي بالفشل الذريع وكان زين وعبد الرحمن يلتصقان بي ويضحكان معي وكنت أخاف علي نجاة أن تتقوقع داخل همومها وأحزانها رغم صغر سنها ويبدو أنها قد فقدت طعم ومعني الضحك للأبد فقال لي صديقي أشرف أنها لا تتحدث مع سوانا وأردف قائلاً لي وماتتعبش نفسك عشان تضحَّكها عشان مش هتضحك …

بس هي شاطرة جداً في المدرسة ومن المتفوقات وبتكتب الشعر ففرحت جداً عندما علمت أنها تكتب الشعر فطلبت منها أن تلقي علي مسامعي بعضه ففاجأتني صراحة وكنت أجلس بجوار صديقي أشرف مستمتعاً بصوتها العذب الرنّان ومخارج الألفاظ التي تنم عن وعي لما تلقيه وهي باكية وكانت عيناها تفيضان حزناً ..فسألتها عن عنوان قصيدتها الصغيرة فقالت ( أريد ان أرحل )

صدمني العنوان ولكني تنبأت لها بمستقبل باهر وأكمَلَت وأنا أستمع لها بجوارحي وليس بأذني وكان عبد الرحمن يلعب أمام محل جدو أشرف فرآه والده غريب فأتي نحونا وبادرني التحية ورددت بأحسن فقام أشرف من مقعده وأتي بمقعد آخر وطلب من غريب أن يجلس معنا وبدأ التعارف وكان غريب يرتدي الجلباب الصعيدي ذوالأكمام الواسعة

فتذكرته علي الفور عندما كنت أشيّع معه جثمان زوجته أم نجاة منذ عشر سنوات تقريباً فلم نتطرق لهذه الذكري الحزينة بل تحدثنا عن أمور عامة فقال له أشرف إحنا كنا بنتكلم عن القدر وقال له أصل الأستاذ بيكتب قصة جديدة عن القدر فأخبرته مضمون قصتي بأن القدر صنع الله وترتيبه ولا توجد هناك أبداً أي مصادفات في حياتنا بل هي نتائج لمقدمات أنت قررتها بينك وبين نفسك وإنما هي أقدار فنحن مسيّرون فيما إخترناه وقررناه

فقال لي غريب أنا لازم أعرَّفك بالكبير أبويا والله انت أكيد هتكون مبسوط معاه فقلت له نتعرَّف عليه نهارفرح نجاة بنتك إن شاء آلله فقال لي يعني أعتبر ده وعد فقلت له يامين يعيش ؟ ..

أصبح غريب ثالثنا في الصداقة والمسامرة اليومية بمحل لعب الأطفال أثناء وجوده بالقاهرة …

وفي الصباح أيقظته نرجس حتي لا يتأخر عن موعد القطار فنهض غريب محاولاً إحتضانها وتقبيلها ولكنها رفضت الإنصياع له فلابد أن يسافر إلي قنا ليأتيها بأمها بعد أن أقنعتها بترك الخدمة عند الكبير

وما أن عاد بصحبته أم نرجس وإستقبلتها نرجس ليست كضيفة وإنما صاحبة بيت ونست حقوق زوجها الشرعية وكانت تبيت كل ليلة في غرفة أمها ملتصقة بها وكانت نجاة تضيق ذرعاً من طلباتها الكثيرة وهي الآن علي شفا إمتحانات نهاية العام وتحتاج لكل دقيقة فصرخت نجاة في وجهها فقد فاض بها الكيل

ويبدو أن نرجس كانت تنتظر هذه الثورة العارمة في كل لحظة وليست مفاجأة أن تثور نجاة لتعبِّر عن جام غضبها المكنون في طيات نفسها الحزينة حتي إنفجرت ولم ترد نرجس حتي يأتي غريب ليرد لها كرامتها التي أهدرتها إبنته نجاة فأخذت تلملم ملابسها وأغراضها حتي أتي غريب فوجدها علي تلك الحالة وأخذت تتصنع البكاء والنحيب

فدخل علي إبنته فوجدها جالسة في غرفتها مع أخواها فضربها ووقف له زين إبنه ليمنعه من ضربها فلطمه علي وجهه وكان زين بالصف الأول الثانوي وظن أنه أصبح رجلاً بظهور شاربه كما ظن أن والده لن يضربه ولم يبكي زين مثل نجاة و لكنه إحتضن أخته وأخيه عبد الرحمن حتي خرج ودخل غرفة نرجس فوجدها تجلس أمام المرآة تتزين له فأغلق غريب باب غرفته من الداخل وأخذ يلاطفها كي ترضي عنه

فقالت له أمي عيانة وعاوزة فلوس عشان الحكيم فأعطاها ما أرادت وأخذ يقبلهافتمنعت ودعت له بطول العمر وقالت له أنا خايفة أحسن ولادك يطردوني أنا وأمي الغلبانة دي بعد عمر طويل وتباكت وهو يقبل يداها وكتفها وصدرها حتي وصل إلي قدماها فإستوقفته قائلة انت لازم تضمن لي حقي وأنا أعيش لك خدامة تحت رجلك

فقال لها غريب ده أنا اللي خدام تراب رجلك وكانت أم نرجس تسترق السمع من الخارج فطرقت عليهما الباب فنهض غريب ليرتدي جلبابه ولم تتحرك نرجس ولم تداري عُريها حتي دخلت أمها موجهة حديثها لبنتها قائلة أيه يابت صوتك العالي ده ..

هو فيه واحدة محترمة ومتربية تتكلم مع جوزها بالطريقة دي ؟

برة وبعيد ده أكيد شيطان يااختي دخل بينكو والله وإستطردت قائلة لإبنتها ضمان أيه يا بنتي اللي انتي عاوزاه؟ هو عمر غريب أخَّر لك طلب ؟

ده غريب ده الحنية كلها ده إبني اللي ماجابتوش بطني وكفاية إنه ضرب بنته نجاة عشان خاطرك فقال لها غريب قولي لها والنبي ياام نرجس وعرفيها قد أيه أنا بحبها فقالت له نرجس وهي تضحك بسخرية هيءهيء بتحبني ؟

طب بأمارة أيه ؟ فزغدتها أمها قائلة لها طب إنتي عاوزة أيه دلوقت ؟ فخرج غريب ليطمئن علي أولاده حتي لايسمعوا حديثهم فقامت نرجس وأغلقت باب الغرفة من الداخل وعندما عاد محاولاً فتحه سمع أمها وهي تقول بصوت مسموع قومي يابت إفتحي لجوزك خليه يخش ومش عاوزين ملاوعة وقلة أدب عيب عليكي هو أحنا وش الحاجات دي يابنتي ؟ ففتحت له أم نرجس باب الغرفة وقالت له خش براحتك ياضنايا وربنا يبعد عنكو العين …

نزلت نجاة في مساء اليوم التالي لجدو أشرف تسأله عني فأخبرها بأني في الطريق فهذا هوميعاد وصولي فرأتني نجاة وهرعت تجاهي وفرحت للقائي ذات العيون الحزينة صاحبة قصيدة ( أريد ان أرحل ) وكان زين وعبد الرحمن لا يفارقانها فدلفت من بينهم لأستريح بجوار صديقي أشرف فإقتربت نجاة منِّي وسألتني وكانت جادة قائلة عجبتك قصيدتي ؟

فقلت لها وأنا أحاول سبر غور هاتين العينان وما تخبئه من أحزان هي القصيدة عجبتني بس أنا زعلان من صاحبتهافسألتني نجاة متلهفة مستغربة قائلة إنت زعلان منِّي ؟ فقلت لها أنا عمري ماأزعل منك أبداً ونفسي أفرح بيكي ويارب أحضر فرحك …

بس أنا كنت عاوزك تكتبي عن الأمل عن الحب …شردت نجاة فيما قلت ثم قالت أنا بكتب اللي أنا بحسه ومش شايفة أمل

وبكرة نكمل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.