قراءة في المشهد الأخير .. في سطور!

بقلم : دكتور عمر رجب

0

1- مصر الدولة تستعيد هويتها الدينية بعد اختطافها منذ عقود، وتسير في طريقها بخطى محسوبة، وتوقيتات مناسبة!

2- القضاء المصري محترم، ورجاله محترمون، وقد أثبت القضاء المصري أن بإمكانه أن يفعل ما يعجز عنه العلماء والدعاة، وقد قام بمهمة كان من الواجب أن تقوم بها المؤسسة الدينية من زمان!

3- المستشار محمد الشربيني؛ قاض جليل، برتبة عالم، وحين تتحول مناقشة الشاهد إلى شبه مناظرة علمية وفكرية فأنت أمام قاض من طراز خاص!

وظني أن القاضي الجليل ربما يكون أزهريا أو ممن نشؤوا في بيت علم وفضل، وذلك ظاهر جدا في لغته السليمة، وفكره المنظم!

4- هيئة المحكمة الموقرة عاملت الشاهد بكل أدب ولياقة وذوق، واستمعت إلى أقواله بكل أمانة، وتركت له الحرية أن يقول ما شاء، ولم تقاطعه إلا لغرض الاستفسار، ولم تعامله كمتهم، بل كشاهد، وخاطبته بلقب (فضيلة الشيخ)، مع أن المناقشة أسفرت عن أن الشاهد لا يستحق لقب الشيخ بمعنى العالم والفقيه، باعترافه نفسه!

4- ثقافة القاضي أحد علامات نبوغه، وجزء متمم لعمله، ولها أثر كبير في صحة الأحكام، والوصول إلى الحقيقة!

5- تغيب الشاهد مرتين عن الحضور إلى المحكمة للإدلاء بشهادته، عن طريق الاستدعاء الودي، حتى تم استدعاؤه بأمر ضبط وإحضار؛ يكشف لك عن عدم احترام نظام الجماعات لنظام الدول، وعدم مبالاتهم بالقانون!

6- تضخم الإنسان حتى يصبح ظاهرة، بلا مؤهلات حقيقية؛ أمر جد خطير، حين تكتشف الحقيقة، فليحذر الشباب من التضخم، واتباع المتضخمين، بلا مؤهلات!

7- اعتراف الشاهد على نفسه بأن أعلى مؤهل حصل عليه هو دبلوم معلمين، وأنه ليس عالما ولا فقيها، بل واعظ يعلم الناس أحكام العبادة، حتى يكونوا عبادا لله، وجهله بشروط العالم؛ دليل على أنه كان ظاهرة متضخمة، لم تكن تستحق كل هذا الضجيج، ودليل أيضا على أن أكثر الناس تسيرهم سياسة القطيع، فيمشون خلف كل مبهر بمظهر أو لسان أو صوت أو عاطفة أو أي نوع من أنواع المؤثرات الحسية، بعيدا عن المؤثرات العقلية، وأن متعة الأذن والعين عندهم مقدمة على متعة العقل!

8- جرت وقائع المناقشة عقيب قضية الإذن بالذكر، التي جيش فيها الإخوة السلفيون جيوشهم على مواقع التواصل الاجتماعي، مستغلين كثرتهم؛ لتشويه صورة علماء الأزهر المنتسبين إلى التصوف، فجاءت المناقشة كسرا لأنف غرورهم، بإسقاط رمز كبير من رموزهم، اختار أن يسقط بنفسه، من غير أن يسقطه أحد!

كما قام القاضي الجليل برد الاعتبار إلى علماء الأزهر، حين بين له أن العلماء الحقيقيين الذين استوفوا شروط العالم هم في المؤسسة الأزهرية العريقة، في حين ذكر الشاهد في كلامه أن العالم من شهد له العلماء بالعلم، وهو يعني بالعلماء علماء جماعته!

9- تنصل الشاهد من الانتساب إلى كل الجماعات – بما فيها جماعته – وإنكاره معرفته بها؛ كلام تكذبه مقاطع الفيديو المسجلة له، وقد أقسم بالله العظيم أنه يقول الحق، وهو رمز من رموز السلفية، فما باله يتنصل منها الآن، فماذا يصنع ملايين الشباب والفتيات الذين اتبعوه باسم السلفية؟!

10- اعترافه بأن جماعة الإخوان جماعة سياسية، غرضها الوصول إلى الحكم، وأن سيد قطب أديب وشاعر، وليس فقيها؛ هدم للجماعة من القواعد، مع أنهم تحالفوا معها وقت سطوتهم!

11- اعترافه بأن الملوك والرؤساء الآن ولاة أمور شرعا، وتجب طاعتهم، ولا يوجد للمسلمين الآن خليفة؛ نسف لكل المبادئ التي تؤمن بها جماعته وكل الجماعات الأخرى!

12- بدا الخوف والارتباك واضحا على الرجل، وقد ظهر ذلك جليا في رفعه يده وهو في آخر القاعة، لإثبات حضوره، وهرولته بالكرسي المتحرك إلى جهة المنصة، وقيامه على قدميه احتراما لهيئة المحكمة، كما ظهر ذلك أيضا في إجاباته التي اتسم أغلبها بطابع الإنكار والمراوغة والتقية، فرارا من التهمة، وإن تحطمت أجيال، وفقدت الثقة في كل رجال الدين!

مع أن أكثر الإجابات يوجد عكسها في مقاطع الفيديو المسجلة له!

وقد كانت فرصة ذهبية ليعترف الرجل – بشجاعة – بخطئه في حق هذه الأجيال، ولكن هيهات! لتذهب الأجيال إلى الجحيم، ولكن لا يدان الزعيم!

13- كانت المناظرة – أعني المناقشة – انتصارا لمفهوم الدولة على مفهوم الجماعة، وللعقل على العاطفة، وللعلماء على الأدعياء، وجاءت بعد يوم واحد من إصدار حكم القضاء – في آخر درجة – بإعدام اثني عشر قيادة من قيادات جماعة الإخوان، لينكشف أمام الرأي العام وأمام العالم كله أن مصر لها هويتها الدينية الخاصة، التي تجمع بين العقل والعاطفة، والمادة والروح، والدنيا والآخرة، والأصالة والمعاصرة، وتتسم بالمرونة والاتزان والهدوء والسماحة والوسطية والاعتدال ومراعاة المصلحة، وأنها لا تناسبها الهوية الدينية التي تقوم عليها الجماعات الإسلامية المتطرفة، والتي تجافي العقل والمنطق، وتتسم بالروح العدوانية، ولا تتعايش مع المتغيرات، لا سيما وقد وئدت هذه الأفكار في مهدها الذي ولدت فيه!

14- سيتحمل هؤلاء الوعاظ – إن صحت التسمية – وزر هذه الأجيال التي خربت عقولها، وانطمست أرواحها، وأصبحت لا تعرف إلا العداوات والخصومات والثارات والشعارات والهتافات، ولا تؤمن إلا بمن كان على نهجها، وتقصي الآخر، وتتهمه بكافة التهم السخيفة من الكفر والشرك والبدعة والفسوق والعصيان، وكانت سببا في التفريق بين المرء وزوجه، والابن وأبيه، والأخ وأخيه، وما وجدوا في بلد إلا أفسدوه، ولا في عامر إلا خربوه!

15- عمل أكثر هؤلاء الدعاة – غير الرسميين – كان خارج دائرة النظام القانوني، لأنهم ليسوا خريجي الأزهر الشريف المنوط بهم الدعوة الإسلامية وتعليم أحكام الإسلام قانونا، وهم يعيشون في رفاهية أكثر من اللازم، وسيتحمل من مكن لهم المسؤلية التاريخية عن انتشارهم في القرى والنجوع والمدن، وتغلغلهم في عقول العامة والخاصة، دون أن تكون هناك خطة لمواجتهم!

16- يجب على الدولة أن تمكن للأزهر ولعلمائه، وأن تعيد إليه الثقة، لسد الفراغ الذي سيتركه هؤلاء من بعدهم، بعد انتقاء عناصر أزهرية لم تتلوث بفكر هذه الجماعات، لتوليتها مهمة إعادة صياغة العقل المصري وفق المنهج الأزهري الرشيد، والذي كان صمام أمان لمصر وللعالم كله، حين كان وحده في الميدان، قبل ظهور تلك الجماعات!

17- يجب على الشباب أن يعيد حساباته بشأن الانتماء إلى هذه الجماعات أو غيرها، وألا يكون ملكيا أكثر من الملك، لا سيما مع كثرة الأحداث المتلاحقة التي تكشف زيفها وكذبها وتدليسها وتناقضها واضطرابها وإيمانها بمبدأ المصلحة الخاصة وتقديمها على المصلحة العامة!

18- ما كنا نود أن تنتهي الأمور إلى هذا النحو، لا سيما لمن انتسبوا إلى الدعوة، حتى وإن كانوا غير مؤهلين لها؛ فإن في سقوط الداعية سقوط أمة، ولسنا ننكر أن للرجل – وإن خالفناه – بعض فضل في وعظ العامة ودلالتهم على الله، وما تعرض له يمكن أن يتعرض له أي عالم أو داعية، نسأل الله السلامة من الفتن، والعافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا، بحرمة سيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين!

 

دكتور عمر رجب مشيخه الأزهر الشريف عضو لجنه الدعوي بالازهر الشريف أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.