الفيلسوف رماز الأعرج … ماذا يعني التنمية المستدامة ؟

رماز الأعرج

0

كثر هذه الأيام التلاعب بالمصطلحات والكلمات الدراجة القديمة , والخطر في الموضوع هو تحميل هذه المصطلحات تفسيرات ومعني مختلفة لها علاقة بهدف المستعمل لهذه الكلمات واستغلالها وتجيرها لما يهدف إليه مستخدم هذا المصطلح أو ذاك , مثل الديمقراطية والليبرالية والعلمانية وغيرها من الاصطلاحات الاقتصادية والسياسية ومن ضمنها تأتي التنمية و التطور الاقتصاد والسوق .

ومن أكثر المصطلحات شيوعا اليوم مصطلح التنمية البشرية والتنمية المستدامة والنمو الاقتصادي والازدهار , والتوازن التجاري وغيرها , وهنا نحن اليوم بصدد توضيح المفهوم الحقيقي للتنمية المستدامة .

فهناك المفهوم والربحي أيضا للتنمية المستدامة , ونموا السوق من ضرورات وقوانين البنية الرأسمالية الربحية للسوق , ولكن هذه التنمية الضرورية لاستمرار الربح هي ليس لصالح المجتمع بل هي لصالح المستثمر الذي يتحكم في هذا السوق بالكامل , والتنمية في هذه الحالة لا تهدف التطور المجتمعي بل فقط تهدف للربح لصالح المالك الأساسي لشرايين وأساسيات الاقتصاد في البلد المعني .

ومن الجدير ذكره أن المؤسسات الأكاديمية والتعليمية حتى المختصة منها لا تأخذ بعين الاعتبار هذه المعادلة , بل يغيب الجانب الحقيقي للتنمية لتتحول أحيانا إلى عمل إنساني خدماتي مؤقت وهذا يشكل كارثة وقتل لمفهوم التنمية الحقيقي .

التنمية المستدامة تعني بالأساس تنمية المجتمع من كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية المعرفية والثقافية وغيرها , والانسجام بين النمو الاقتصادي وعدد السكان , من اجل ضمانة أكيدة لاستمرارية فرص العمل المستدامة والقابلة للتطور والنمو بحسب الحاجة العملية للسكان , وأخذ موارد الطبيعة بالاعتبار في التخطيط الاقتصادي التنموي .

وفي القرون الثلاث الأخيرة للبشرية على الأرض كانت لدينا الكثير من الاكتشافات الأساسية التي نقلت حياة البشرية إلى مرحلة جديد نوعيا في الكثير من القضايا , ولكن لم تكن البشرية في حينها تدقق بما يكفي في مدى صلاحية هذه المواد المستخدمة , وفهم الحفاظ على البيئة ومراعاة النظام البيئي الطبيعي لم تكن مأخوذة بالاعتبار

بل الربح والمصلحة الربحية هي الهدف وهذا ما غيب التوازن في المنتجات البشرية من حيث جودتها البيئية الصديقة للحياة وبدون الإكثار من التفاصيل النظام القائم بكامله لا يمكنه أن يحقق تنمية مستدامة ما دام قائم على الربح والاستهلاك كمعيار للاقتصاد والإنتاج البشري

وبذلك ينفصل مفهوم التنمية الربحية بالكامل عن مفهوم التنمية الذي نتحدث عنه نحن دوما في أبحاثنا , وهذا ينسحب على كافة المعارضين للمفهوم الربحي المجرد للاقتصاد , فالاقتصاد يقوم على أساس إنتاج الحاجات الضرورية للمجتمع وهذه هي القاعدة , بينما في الحالة الربحية , الربح وحده القاعدة , والمعيار لصلاحية كل شيء , وهذا فارق جوهري بين الوجهتين .

وهنا تخرج الأيديولوجيا عن الموضوع بحيث يتفق اليساري و الإسلامي المعتدل والقومي المعتدل أيضا وغيره على أن البنية الربحية والاحتكارية الاستهلاكية المعاصرة هي الأسوأ عبر تاريخ المجتمع البشري , ويتفق الغالبية كمحصلة على ضرورة وجود شكل آخر للتنمية الحقيقية , وهذا يشكل تقاطع أساسي بين الفرق الأيديولوجية السياسية المختلفة والاجتماعية أيضا .

إن فلسفة البناء تحتاج إلى رؤية شمولية وبعد استراتيجي في التخطيط والتنمية وتحقيق التوازن بين الحاجات البشرية وحاجات الطبيعة , والطبيعة هي البعد الاستراتيجي الأساسي للبشرية وللحياة على الأرض .

إن التنمية المستدامة تعني إعادة النظر في النظام الاقتصادي والاجتماعي معانيه ويمكن تلخيص ابرز القضايا الأساسية العامة في بضعة نقاط ولكنها تشكل خطوط عريضة وعناوين ضرورية لأي خطة عمل تنموية ,

1 وقف الملكية الاحتكارية للطبيعة وحمايتها ووقف استمنزافها

2 وقف الحروب والتسلح بكل أشكاله

3 التخطيط الاقتصادي لإنتاج حاجات المجتمع بدون زيادة ولا نقص وخاصة في السلع الأساسية

4 تحقيق التوازن بين الريف والمدينة

5 الحفاظ على سكان الريف وعدم ترك الأراضي لملكية الشركات الاحتكارية الكبرى

7 تغير مصادر الطاقة

8 وقف التلوث بكل أشكاله

هناك قضايا تفصيلية ستأتي لاحقا في الاجرآت والتفاصيل ستأتي في مكانها وهي عمل تطبيقي وليس نظري في النهاية وبالضرورة السعي لتنفيذها على الأرض .

الخلاصة التي نصلها أن مفهوم التنمية المستدامة ليس مجرد شعار يرفع , بل هو خطط وقوانين وعمل بالضرورة تنفيذه , وهذا يحتاج إلى جهد جماعي ومجتمعي ووعي ونضال طويل تراكمي وليس قضية أنية أو مرحلية بل هي خطة طويلة الأمد مستدامة تبدأ من البسيط لتنتقل إلى المعقد والى الشمولي أيضا , فهي في النهاية تهدف إلى تحقيق التوازن بين المجتمع البشري والحياة والطبيعة والسير بتوازن مع الحياة ونظام الطبيعة والمجتمع

الحفاظ على الحياة في الريف وتوفير فرص عمل وإنتاج لسكانه , يسد الطرق على تسرب الأراضي الزراعية لأيدي الشركات الاحتكارية الكبرى التي أصبحت خطر يهدد مستقبل البشرية الاستراتيجي , لذلك يجب التركيز على برامج بديلة مباشرة , من ضمنها الحفاظ على الملكية الصغيرة للمزارعين وتطوير واقعهم , الإنتاج الزراعي يعني الغذاء , أي الإستراتيجية الأساسية لحياة المجتمع البشري , فما جدوى كل التكنولوجيا إذا فقد الغذاء والماء الصالح للشرب و أصبح محتكرا في يد شركات كبرى .

هذه المقدمة المختصرة حول مفهوم التنمية المستدامة الذي سنتحدث عنه طويلا , نكتفي ألان بهذا لقدر كمقدمة تعرفيه وتوضيح حول مفهوم التنمية الحقيقي الذي تسعى إليه مملكة اتلانتس العتيدة الحكيمة أيضا كهدف مرحلي واستراتيجي تسعى لتحقيقه من خلال بناء نظام اجتماعي اقتصادي يحقق التنمية المستدامة الحقيقية التي تحقق التوازن بين جميع أفراد المجتمع وتحقق التوازن بين الفرد و الجماعة وبين المجتمع والوجود البشري والطبيعة والحياة

وبذلك يحقق الإنسان ذاته الحقيقية المنسجمة مع ذاتها والطبيعة والوجود .
معا نحو الأهداف السامية وعالم أجمل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.