السياسة تحطم مشروعاً ضخماً بين المغرب والجزائر… فمن الخاسر؟

0

أنعش تأكيد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أنه لم يتم بعد اتخاذ قرار بشأن تجديد عقد استخدام خط أنابيب لنقل الغاز يمر عبر المغرب، التكهنات حول القرار النهائي المرتقب أن تعلنه الجزائر أواخر هذا الشأن بهذا الخصوص، خاصة وأن تبون استدرك في رده عن سؤال خلال لقاء مع ممثلي وسائل إعلام محلية، قائلا إنه لن يتم إمداد إسبانيا من الآن فصاعدا بالغاز الطبيعي عن طريق الانبوب المغاربي. فهل تنوي الجزائر بالفعل الاستغناء عن خط الأنابيب الذي يمر عبر المغرب ومن المستفيد ومن الخاسر الفعلي من قرار من هذا النوع؟

لم يتوقف مسار التصعيد بين الجزائر والمغرب عند حدود السياسة، بل تعداها إلى قرارات تمس بشكل كبير المجال الاقتصادي، منها أساسا إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام جميع الطائرات المدنية والعسكرية المغربية، وتلاها حديث مسؤولين جزائريين عن عزم السلطات على عدم تجديد عقد أنابيب الغاز الذي يمر من المغرب.

وقد أكد الرئيس الجزائري أنه لن يتم إمداد إسبانيا من الآن فصاعدا بالغاز الطبيعي عن طريق الانبوب المغاربي. وأعلن أنه سيتم تزويد إسبانيا بالغاز عن طريق خط أنابيب “ميدغاز”، الذي يعمل الآن بما يقترب من طاقته القصوى البالغة 8 مليار متر مكعب في العام، أي ما يمثل نصف صادرات الجزائر من الغاز الى اسبانيا والبرتغال. بينما تصدر الجزائر إليهما ومنذ عام 1996، نحو 10 مليار متر مكعب من الغاز سنويا عبر خط أنابيب المغرب-أوروبا.

ويؤكد المحلل الاقتصادي الجزائري أمين بوطالبي أن هذا المشروع الضخم مبني على اتفاقية شراكة اقتصادية كبيرة جدا بين المغرب والجزائر، تمت بدءا من عام 1993 في إطار اتحاد المغرب العربي وكان هذا المشروع مهما جدا بالنسبة للدولتين.

تبعات اقتصادية

منذ بدأ الحديث عن القرار المتوقع للجزائر بعدم تجديد عقد استخدام خط الأنابيب المار عبر المغرب لنقل الغاز، والسؤال يطرح عن الخاسر الأكبر من قرار من هذا النوع، وسط تأكيدات من مسؤولين في البلدين أن هذا القرار سياسي أكثر منه اقتصادي لن تكون له تأثيرات تذكر عليهما. فالمغرب يقول إنه استبق هذه الخطوة بالعمل على تطوير قدراته الطاقية، والجزائر تصر على أن قرارا من هذا النوع سيضر بمصالح جارته.

ويؤكد خبراء في مجال الطاقة أن القرار الجزائري قد تكون له تبعات اقتصادية عديدة. إذ يتوقع أن يؤدي إلى الرفع من تكلفة نقل الغاز نحو أوربا، وعدم تمكن الجزائر من الإيفاء بالكميات التي تحتاجها إسبانيا مع قرب فصل الشتاء، علما أن الجزائر تعد المورد الرئيسي للغاز الطبيعي الى اسبانيا.

ولعل هذا ما يفسر تأكيد الرئيس الجزائري أنه تم التوصل الى اتفاق مع اسبانيا لنقل الغاز الطبيعي المسال بالسفن في حال حدوث أي مشكلة. كما صرح وزير الخارجية الإسباني أن بلاده تلقت ضمانات من السلطات الجزائرية بخصوص مواصلة إمدادات الغاز إلى بلاده. لكن خبراء في الطاقة يؤكدون أن خيار شحن الغاز المسال إلى إسبانيا بواسطة السفن، لتعويض أي نقص قد ينتج عن وقف استخدام الأنبوب المار عبر الأراضي المغربية، لن يكون مربحا اقتصاديا وقد لا يحل المشكل إلا بشكل جزئي.

ويعتبر الخبير الاقتصادي المغربي، المهدي فقير أن القرار الجزائري، كيفما كان، هو أمر سيادي، لكن “إذا أخذنا بعين الاعتبار المصالح العليا للجزائر سنجد أن هذا القرار لن يكون في صالحها لأنه مبني على المناكفة السياسة، بينما مصالح الدول يجب ألا تنبني على ذلك”. وأضاف أن “قرارا من هذا النوع سيرفع من الكلفة وقد يقلل من هوامش الربح التجارية والمالية التي قد تحصل عليها الجزائر مقابل نقل غازها إلى إسبانيا، ولا أعتقد أن هذا في مصلحة الجزائر خاصة في هذا الوقت الدقيق حيث تعرف ميزانيتها كما ميزانية العديد من دول المنطقة، ضغوطا كبيرة جدا”.

المهدي فقير، خبير اقتصادي مغربي

قرار سياسي

يرى المحلل الاقتصادي الجزائري أمين بوطالبي أن الشراكة بين المغرب والجزائر في مشروع أنبوب الغاز، كانت هامة جدا بالنسبة للبلدين، ووصف القرار الجزائري بالاقتصادي / السياسي. لكنه اعتبر في نفس الآن أن المغرب سيخسر بقرار الجزائر شريكا اقتصاديا هاما. كما أكد أمين بوطالبي أن الجزائر ستعوض خط الأنابيب المار عبر المغرب، والذي يبلغ طوله 1400 كيلومتر، بخط جديد سيتم تشييده على مدى 800 كيلومتر فقط بين مدينة بني صاف الجزائرية وألميريا بإسبانيا، بتكلفة 900 مليون دولار. واعتبر بوطالبي أن المغرب سيخسر بذلك مليار متر مكعب من الغاز الذي كان يحصل عليه سنويا.

المحلل الاقتصادي الجزائري أمين بوطالبي

من جهته، يؤكد المهدي فقير أن قرار الجزائر هو سياسي بامتياز، وأن خسارة المغرب في حال لم تجدد الجزائر عقد أنابيب الغاز، محدودة جدا، وذلك لعدة عوامل، أولاها أن “العقد القائم يربط الجزائر وإسبانيا، أما المغرب فليس سوى طرف فيه بحكم أن أنبوب الغاز يمر عبر أراضيه”. كما أن ما تقدمه الجزائر للمغرب مقابل أنبوب الغاز المار عبر أراضيه، لا يتجاوز 9 في المائة من حاجياته من الغاز الطبيعي. كما يرى فقير أن المغرب اشتغل بشكل جدي على مشروع رائد في المنطقة ويهم الطاقة الشمسية، وسيصبح من المصدرين الكبار لهذا النوع من الطاقة.

ويضيف المهدي فقير أن الرباط كانت مستعدة لاحتمال من هذا النوع منذ وقت ليس بالقصير، وعمدت إلى تنويع مصادرها الطاقية وشركائها في المجال، سواء في دول الخليج أو الولايات المتحدة أو دول إفريقية. فالمغرب يواصل العمل على مشروع ضخم مع نيجيريا من خلال أنبوب غاز مهم يربط نيجيريا بأوروبا عبر المغرب. وكان وزير النفط النيجيري تيميري سيلفا، أعلن عن عدد من مشاريع خطوط الغاز التي تعمل عليها بلاده بالتعاون مع عدد من الدول المجاورة، من بينها المغرب والجزائر. وكشف المسؤول النيجيري أن “الأنبوب الموجه للجزائر سيكون مخصصا لإمداد باقي بلدان إفريقيا بالغاز، بينما الأنبوب الذي سيعبر نحو المغرب سيستهدف أوروبا”، علما أن المشروع أطلق عام 2016 ومن المقرر أن يمتد أنبوب الغاز على طول يناهز 5 آلاف و660 كيلومترًا، ومن المنتظر تشييده على عدّة مراحل ليستجيب إلى الحاجة المتزايدة للبلدان التي سيعبر منها وأوروبا، خلال الأعوام الـ25 المقبلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: