جبل المرار ( الحلقة الرابعة )

0

جبل المرار

(الحلقة الرابعة)

وصل المقدم جلال مع غروب الشمس وكان الرائد رأفت والنقيب نجيب في إنتظاره علي رصيف قطار محطة المدينة فقد كان الجميع يسمع عن المقدم جلال لحسن أداؤه الشرطي وعند وصوله لمبني مديرية المدينة قام العقيد عشري بإستدعائه بمكتبه علي الفور .

تقدم المقدم جلال إليه فهو لم يراه من قبل فقط كان يسمع مثلهم فأعطاه المقدم التحية العسكرية كما ينبغي وقام بتقديم نفسه بصوته الأجش فقال له العقيد عشري انت غني عن التعريف ياجلال وطلب له قدحاً من البن الخاص به وأخذ يتطلع إليه وهو يحتسي قهوته يتفحصه.

ولاحظ المقدم جلال ذلك فمد له يده بسيجارة مستوردة وأشعلها له فوقف المقدم إنتباه خجلاً فقال له العقيد عشري إحنا هنا كلنا إخوات وكلنا ولاد تسعة فضحك المقدم جلال لحسن إستقباله له وأتي الرائد رأفت والنقيب نجيب للترحيب به حتي لا يشعر بغربة وسطهم أبداً .

ومن ثم تحديد المهام فأخبرهم العقيد عشري بأن المقدم جلال سيتولي مسئولية الوحدة كرئيسٍ لها وعليكما معاونته وضم إليهم الأمين إبراهيم والمخبر عبد السلام وقبل أن ينصرف الجميع في نهاية الإجتماع إذا بالهاتف يخبر عن عثور أحد المارة علي جثة سيدة تجلس بجوار أحد مولات المدينة فتوجه بحديثه للمقدم جلال قائلاً له رزقك في رجلك وربني بقي شطارتك وما كان من المقدم جلال إلا أن أدي له التحية العسكرية قائلاً له تمام ياافندم…

وعند مكتب المقدم جلال ضحك الرائد رأفت قائلاً له الخير علي قدوم الواردين فابتسم له المقدم جلال وطلب من النقيب نجيب أن يذهب علي الفور إلي مكان الحادث ومعه الأمين إبراهيم والمخبر عبد السلام لعمل تحريات أولية كما أمر بإستدعاء مصور جنائي لتصوير الجثة وما حولها …

وبعد قليل إتصل به النقيب نجيب ليخبره أن الجثة لسيدة تبلغ الستين من عمرها ويبدو من الفستان الأنيق الذي ترتديه أنها سيدة أرستقراطية من طبقة رفيعة المستوي وكانت الجثة في وضع الجلوس بإحتشام بجوار محل مغلق فطلب منه جمع تحرياته من المحلات المجاورة وأن يتحفظ علي شاهد العيان أول من رآها وتحرك المقدم جلال والرائد رأفت إلي مكان الجريمة وكان النقيب نجيب قد أمر المخبر عبد السلام بأن يندس للتحاور وليسمع كلام الناس ورأيهم من وجهة نظرهم حول كيفية القتل ….

تقدم المقدم جلال ووقف بالقرب يتأمل الجثة فلاحظ وجود خاتم من الماس وقرط وسلسلة بها صورتها وصورة شابة كما لاحظ وجود سحجات متفرقة من جسد القتيلة دليل علي سحبها لمدة طويلة علي الأسفلت ولم يجد أية أثار تدل علي مقاومتها للقاتل.

فتوجه للنقيب نجيب يسأله عن الشهود فأشار لعم جنيدي أن يتقدم وفي هذه الأثناء أتي أشرف بك وكيل النيابة قبل أن يدلي عم جنيدي بأقواله وأطمأن علي سير التحقيق في وجود المقدم جلال فهو دائمآ ما يسمع عنه وعن صولاته وجولاته فأطلعه علي كل المعطيات التي توصل إليها حتي الآن .

فتركه ليسأل الشاهد قائلاً له إسمك وسنك وبتشتغل أيه

أجابه الشاهد قائلاً إسمي عمك جنيدي وعندي خمسة وستين سنة وبشتغل بواب في العمارة اللي ورا المول دي من وأنا صغير يعني أباً عن جد يابيه…

فسأله وأيه اللي جابك لحد هنا ؟

أجابه قائلاً بإستهتار ملحوظ أهو اللي حصل بقي يابيه …

أنا كنت خرمان شاي وجيت من هنا عشان أشتري باكو شاي وكنت لازم أعدي من هنا بس لقيت المحل مقفول ولقيت عليه يافطة وأشار علي محل خلف الجثة والدنيا كانت ضلمة في الحتة دي بس والناس كانت رايحة جاية عادي وأنا كنت عاوز أعرف أيه المكتوب في اليافطة.

لقيت الست الهانم قاعدة قلت أسألها ولا يمكن تكون محتاجة مساعدة أخدمها وبكلمها لقيتها قاطعة النفس وكانت مابتردش قلت لاحول الله في الأول أنا بفتكرها مغمي عليها قعدت أزعق إلحقونا ياناس أنا قلت حد هيسقيها شوية مية ولا دكتور يكون معدي بالصدفة لقيت واحد بيقول لي يا عم دي ميتة ….

في الحقيقة أنا بخاف من كلمة الموت ولما خفت …

ولاذ عم جنيدي بالصمت قليلاً فسأله أشرف بك كمل أيه اللي خوفك ؟

أجابه عم جنيدي قائلاً أنا كنت خايف أحسن حد يسرق منها الخاتم اللي هي لابساه وفضلت واقف بعيد براقب لحد بسلامتكو ماجبتو ….

أمشي أنا بقي أحسن والله خرمان شاي فقال له المقدم جلال لأ إنت هتبجي معانا شوية ….

فتقدم الأمين إبراهيم وهو يؤدي التحية العسكرية ليخبر المقدم جلال بأن صاحب البوتيك المجاور للمحل المغلق لديه كاميرات مراقبة فأمر النقيب نجيب بتفريغها للوقوف علي كيفية نقلها ….

أتي المخبر عبد السلام وادي التحية العسكرية ليخبره بأن بعض الشهود قد شاهدوا سيدة منقبة وكانت تجر شوالاً ولم تسمح لأحد بمساعدتها وبعض الناس أنكروا ذلك فخاف الشاهد بالإدلاء بأقوال غير موثوقة وغير متفقة …

فتقدم أشرف بك يطلب نقل الجثة إلي المشرحة وأخبره أن القتل لم يكن بدافع السرقة فقال لهم عم جنيدي هو كان حد يستجري يسرقها وأنا واقف براقبهم ….

تم نقل الجثة وطلب المقدم جلال من النقيب نجيب والأمين إبراهيم والمخبر عبد السلام عدم ترك المكان لجمع المعلومات بطريقة لا تلفت الأنظار وقبل أن يغادر المقدم جلال مسرح الجريمة تقدم أحد الأشخاص ومعه شنطة حريمي قائلاً له والله يابيه أنا قلت لهم علي موصوع الشوال اللي كانت بتجره الست المنقبة قالوا لي انت كداب بس أنا مشيت مع أثر خط سير الشوال علي الأرض لحد مالقيت الشنطة دي واقعة هناك علي أول الشارع ولقيتها في حتة ضلمة ….

أي خدمة تاني يابيه ؟

نظر إليه المقدم جلال يتفحصه قبل أن يقوم بفتح الحقيبة فوجد بها مبلغاً كبيراً وبعض الحلي الذهبية وبطاقة عائلية وفيزا كارد وبعض أدوات الماكياج الخاصة بالقتيلة فطلب منه الشاهد أن ينصرف فضحك له المقدم جلال قائلاً له أنا تعبان أكتر منك ولسة جاي من سفر ونفسي أغمض عيني بس خمس دقايق وانت تقول لي عاوز أروح ياراجل ياطيب وقال له انت هتشرف معانا شوية وهتقول تاني كل اللي انت قلته وتمضي علي المحضر وتمشي علي طول …

عاد المقدم جلال إلي مديرية المدينة وكانت الساعة تشير إلى الثانية صباحاً فطلب من الرائد رأفت مفتاح غرفته ليأخذ قسطاً من الراحة وقبل أن ينام أخذ يتطلع لبطاقة القتيلة وكانت تحمل اسم ماهيتاب الصفطي والدة ميار هانم صافي

عادت أم نوها بعد أن طلبتها إبنتها لمشاورتها في أمور نسائية قد حلت بها فأخذت أمها في طمأنتها وطلبت منها عدم التفكير في هذه الأمور العادية فقد كانت أم نوها خبرة في تلك الأمور وقالت لها ماتخافيش خالص
وعادت لتجد بعض النسوة قد أتين ليقدمن النقطة كما تعودن وأخذت كل منهن تشكو مصيبة قد حلت بعد عراك ونباح الكلاب

وكانت كل منهن تقص بلوتها ومصيبتها وكن يستمعن وهن صاغرات لا حول لهن وكانت إحداهن قد سقطت حلة الطبيخ أثناء الغليان علي ساقبها والأخري قد فقد رجلها كل ماله في تجارته وأخري تشكو ميل بختها مع زوجها فأصبح ينام بمفرده بعد أن صارحها بأنه عندما يراها وكأنه يري أمامه بومة

وفي هذه الأثناء وصل د.محرم ولم يجد أحداً بالمنزل وخرجت أم نوها لتخبره بأن ضرغام وسالم كانا معها عند نوها وهما الآن في الطريق فقال لها د. محرم أنا هستناهم في العربية فقالت له طب أقعد مطرح ماتحب وأنا هعمل لك كوباية شاي وفتح هاتفه فتذكر أنه لا توجد إشارة في هذه المنطقة المنعزلة تماما عن العالم كما كان يذكرها ضرغام أثناء فترة التجنيد

وتذكر قصة الرجل الذي تجرأ وصعد جبل المرار وعاد ومعه قصص وأساطير يندي لها الجبين وتمني أن يصعد جبل المرار ولو مرة واحدة في حياته ليتأكد من صحة قصص و روايات ضرغام له أثناء الخدمة الليلية وبعد قليل خرجت أم نوها لتقديم واجب الضيافة وكان أحد الجبران يقف عند باب منزله فقالت له أم نوها أعمل لك شاي ياخضر فقال لها خضر إعملي ياأم نوها

فتقدم خضر من سيارة د.محرم قائلاً له صباح الخير يادكترة وكانت بيده سيجارة حشيش فقال له د. محرم صباحو جميل وكان د. محرم أيضاً يقوم بلف سيجارة مع نفسه فوضع الهاتف ونحي بسيجارته جانباً حتي لا يراها الجار فقال له خضر ماتخافش المكان هنا أمان الأمان ولا حكومة بتطلع ولا حكومة بتنزل

فقال له د. محرم ربنا يطمنك وأخذ منه السيجارة فطلب منه الجار أن ينزل عليه ضبفاً حتي يأتي ضرغام فوافق د. محرم علي الفور فهو إجتماعي بطبعه ويحب الناس فدخل دار شخصا وحتي الآن لا يعرف إسمه وأجلسه علي دكة بالقرب من الباب وفرش له فرو الخروف وجلس الجار القرفصاء وأشعل الفحم وقال له أعرفك بنفسي أنا إسمي خضر أخوك الصغير

فقال له د. محرم أهلاً وسهلاً فقال له خضر أكيد ضرغام كلمك عني فنظر إليه د. محرم وكان دخان كثيف يخرج من أنفه وفمه وقال له هو مش بيتكلم عن حد في غيابه ولو عاوز تكلمني عن نفسك إتفضل فقال له خضر وهو يأخذ منه السيجارة يزيد فضلك يادكترة واستطرد بعد أن سحب نفساً عميقاً وكتم الدخان قليلاً ليخرج مع الكلام قائلا له أصل مافيش حد من صحاب ضرغام مايعرفنيش فقال له د. محرم هو مرة حكي لي عن واحد صاحبه طلع جبل المرار. ….

فقاطعه بقوله ماهو أنا اللي طلعت فوق …أنا اللي حكي لك عنه فقال له د. محرم وهو يضحك يخرب بيتك طب إحكي لي كل حاجة بسرعة فقال له خضر طب ولامؤاخذة إرفع رجلك فتعجب د. محرم من طلبه فسأله ليه؟ فأجابه خضر عشان أجيب الجوزة من تحت الدكة عشان نشرب حجرين أحسن من اللف والدوران فضحك د.محرم علي طريقة خضر
فرفع قدميه لأعلي

وبكرة نكمل

الكاتب المصرى احمد عشرى
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.