ظهور أخطاء خطيرة للمحققين البلجيكيين في ملف اعتداءات باريس الإرهابية 2015

0

مع اقتراب محاكمة المتهم الرئيسي في قضية هجمات 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 بباريس، صلاح أباعود نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية تحقيقاً مثيراً حول ما وصفته بـ “إخفاقات الأمن البلجيكي” في رصد الاعتداءات الإرهابية، التي شهدتها باريس في هذا التاريخ وراح ضحيتها العشرات من المواطنين الفرنسيين والأجانب

وجاء في عدد الجريدة، الصادر يوم الأحد 29 أغسطس 2021، أنه في أعقاب هذه الهجمات، أجرت هيئة مراقبة الشرطة البلجيكية تحقيقاً يرمي إلى تحديد مكامن الخلل في تتبع تحركات عدد من أعضاء الخلية الإرهابية المنفذة للعملية، بمن فيهم صلاح عبد السلام ذو الأصول المغربية، إذ وصلت إلى خلاصة مفادها أن جهاز الأمن البلجيكي لم يتعامل بالجدية اللازمة في التعامل مع عدد من التحذيرات والمعلومات التي كانت بحوزته وتهاون في تتبع أثر منفذي الهجمات رغم الشكوك التي كانت تحوم حولهم.

 

وذكر تحقيق “لوموند” المبني على تقرير سري لهيئة مراقبة الشرطة البلجيكية، أن جملة من المعطيات، التي كانت متوفرة لدى بلجيكا خلال الأشهر الثمانية عشر، التي سبقت هذه الهجمات في باريس، وهي معلومات تركز على ثلاثة أعضاء من هذه الخلية بقيادة تنظيم الدولة الإسلامية.

 

ويتعلق الأمر بالبلجيكي من أصل مغربي عبد الحميد أباعود، أحد الرؤوس المدبرة للهجمات، والذي قتل في مداهمة تمت في ضحية “سان دوني” الباريسية، إضافة إلى إبراهيم عبد السلام، الذي فجر نفسه في مقهى “كونطوار فولتير”، وشقيقه صلاح، عضو المجموعة الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة والمتهم الرئيسي في قضية هجمات 13 نوفمبر، التي ستبدأ الأربعاء 8 سبتمبر 2021 بباريس.

 

يكشف التقرير الذي وسم بـ “السري للغاية” أنه قبل 16 شهراً من هجمات نوفمبر 2015، تلقت محققة من خلية “الإسلام” في قسم مكافحة الإرهاب في الشرطة القضائية الفدرالية ببروكسيل معلومات مفادها أن شقيقين متطرفين يخططان للانضمام إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا. لتسارع الشرطية عقبها مباشرة إلى إعلام رؤسائها شفوياً، وتم التعرف على الأخوين (صلاح وإبراهيم عبد السلام)، وهما فرنسيان من أصل مغربي ولدا ببلجيكا ويعيشان في حي “مولينبيك” في العاصمة البلجيكية بروكسيل، وهما في نفس الوقت صديقا الطفولة للجهادي البلجيكي عبد الحميد أباعود، المنسق المستقبلي لهجمات 14 نوفمبر الذي كان في سوريا آنذاك

 

وحسب “لوموند” فإن التقرير الاستخباراتي أشار إلى أن أول خلل تمثل في عدم إعداد تقرير عن هذه المعلومات، أي لم يتم تدوينها في سجل مكتوب، خاصة وأن المحققة التي تلقت المعلومة قد اتصلت تلقائياً بهيئة مراقبة الشرطة البلجيكية بعد الهجمات للإبلاغ عن هذا الأمر، لكن رغم ذلك لم يتم إجراء أي تحقيق أو إعداد تقرير حول الموضوع من قبل الشرطة.

 

تذكر الصحيفة أنهبعد أسبوع من الهجمات على مقر مجلة “شارلي إيبدو” الساخرة بالعاصمة الفرنسية، اقتحمت القوات الخاصة البلجيكية شقة بمنطقة والون، وقد تمت هذه العملية بسبب مخاوف من أن تمر الخلية الإرهابية التي تم التنصت عليها إلى العمل الميداني قريباً، وقد توفي خلال العملية جهاديان بلجيكيان عائدان من سوريا.

 

خلال هذه العملية، يكشف التقرير أنه تم العثور على العديد من الأسلحة، وتم تحديد الجهة التي أصدرت الأوامر لهذه الخلية قبل أيام قليلة، وتبين أن عبد الحميد أباعود كان يقود العملية من اليونان، وبعد أن نجا بصعوبة من الاعتقال في أثينا في 17 يناير 2015، تمكن من العودة إلى سوريا.

 

الخلل الآخر الذي تشير إليه صحيفة “لوموند” نقلا عن التقرير الأمني البلجيكي هو أنه بعد أقل من أسبوعين من الهجوم على “شارلي إبدو”، استقل إبراهيم عبد السلام طائرة إلى إسطنبول، ثم عبر إلى سوريا، وقد استفاد من هذه الإقامة القصيرة ليحضر تدريبات عسكرية ويلتقي بصديقه أباعود، وتم تصويره وبثه في شريط على الإنترنت تضمن لقطات من فرنسا يظهر فيها الأخوان عبد السلام يطلقان الرصاص على حائط، ويقولان: “هذا من أجل فرانسوا هولاند”. وقبل 11 شهراً من 13 نونبر، وعلى الرغم من المعلومات المترابطة، فإن شرطة مكافحة الإرهاب الفدرالية البلجيكية لم تكتشف مغادرة إبراهيم عبد السلام إلى سوريا، وبالتالي منعه من ذلك واعتقاله.

 

في العشرين من شهر فبراير 2015، تم إدراج إبراهيم ضمن قائمة “سوريا” لهيئة التنسيق لتحليل التهديدات. لكن الغريب في الأمر” وفق توصيف الصحيفة، أنه لم يتم التحقق لتأكيد تصريحاته، كما أن الأشياء التي تم العثور عليها أثناء التفتيش تم الاحتفاظ بها في منطقة شرطة بروكسيل الغربية.

 

تضيف “لوموند”، “بناء على طلب مكتب المدعي العام الفدرالي، تم فحص هاتف إبراهيم عبد السلام بطريقة سطحية، وبعد عدة أشهر لم يتم التوصل إلى أي نتيجة”.

 

تذكر اليومية الفرنسية أن لجنة التحقيق البلجيكية أثارت في تقريرها عدداً من الاختلالات الخطيرة في تدبير هذا الأمر، أبرزها أن الهاتف لم يتم العثور عليه لعدة أشهر إلى أن تم اكتشافه في مبنى شرطة بروكسيل الغربية بعد عام واحد من الهجمات في نوفمبر من 2016 وتم فحصه من جديد.

 

وباستخدام برمجيات أقوى من تلك المستخدمة في المرة الأولى، تمكن محققون متخصصون من استعادة محادثة محذوفة على “فيسبوك” بين إبراهيم عبد السلام وعبد الحميد أباعود تعود إلى 1 يوليوز من سنة 2014، أي قبل أكثر من ستة أشهر من مشروع “فيرفيرس” الإرهابي وإقامة إبراهيم عبد السلام في سوريا.

 

وينقل التقرير فحوى المحادثة فيذكر أن أباعود قال:

 

أعلنا الخلافة، الله أكبر

 

فرد عليه إبراهيم: الله أكبر أنا قادم إن شاء الله، إلى اللقاء أخي.

 

-وفقك الله في طريق الجهاد ورزقك الشهادة، مزق هؤلاء الكفار وخذ منهم أكبر عدد ممكن من الخنازير وتعال انضم إلى جيش الله.

 

-طيب يا أخي إن شاء الله، سأتصل بك قريباً.

 

هكذا تقول “لوموند”، “كان هاتف إبراهيم عبد السلام يحتوي على معلومات مهمة، لو كانت معروفة في الوقت المناسب لأعطت توجهاً مختلفاً للتحقيق الجنائي. لكن الواقع أن الشرطة البلجيكية تجاهلت كل شيء وعقدت جلسات استماع روتينية معه”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: