استرجع ذكريات أليمة بباريس مع بدء محاكمة 20 رجلا متهمين بالضلوع في هجمات 2015

0

تبدأ في العاصمة الفرنسية باريس مجددا يوم الأربعاء 08 سبتمبر 2021 وعلى مدى تسعة أشهر محاكمة 20 متهما في هجمات تنظيم “الدولة الإسلامية” في باريس والتي خلفت 130 قتيلا ومئات الجرحى عام 2015، وعلى رأسهم الناجي الوحيد من منفذي الهجمات صلاح عبد السلام. وذلك حين هاجم “انتحاريون” ملعب “استاد فرنسا” وفتح مسلحون النار على شرفات مقاه وفي قاعة الـ”باتاكلان” للعروض الموسيقية، في أعنف هجمات شهدتها فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية

هذه المحاكمة الخارجة عن المألوف، وهي أكبر محاكمة في قضية إجرامية تنظم في فرنسا، تبدأ ظهرا في قصر العدالة التاريخي في باريس وسط إجراءات أمنية مشددة في سياق التهديد الإرهابي المتصاعد.

 

وقال الناطق باسم الحكومة غابرييل أتال لشبكة “فرانس 2” “يحتمل أن يكون هناك خطر يحيط بهذه المحاكمة”.

 

وقال مدعي باريس السابق فرنسوا مولانس لاذاعة “ار تي ال” إنه “يجب بناء ذاكرة جماعية عبر التأكيد مرة جديدة على قيم الإنسانية والكرامة” وإفساح المجال أمام “عائلات الضحايا لكي يفهموا ما حصل”.

 

ستحاكم محكمة الجنايات الخاصة حتى 24 أو 25 أيار/مايو 2022، عشرين متهما بينهم الفرنسي-المغربي صلاح عبد السلام العضو الوحيد الذي لايزال على قيد الحياة من مجموعة الكوماندوس التي نفذت الاعتداءات بأمر من تنظيم الدولة الإسلامية، موقعة 130 قتيلا وأكثر من 350 جريحا في باريس وسان دوني (ضواحي باريس) ومخلفة صدمة كبيرة في جميع أرجاء فرنسا.

 

سيحاكم عشرة رجال آخرين سجنوا طوال فترة المحاكمة في سجون بضواحي باريس إلى جانبه في قفص المتهمين وهم يحاكمون بتهمة المشاركة في هذه الاعتداءات التي نفذت في وقت كانت باريس لا تزال تحت وقع صدمة هجمات كانون الثاني/يناير على مجلة شارلي إيبدو الساخرة التي قتل جميع أفراد هيئة تحريرها تقريبا إعداما، وعلى متجر يهودي للأطعمة.

 

سيمثل ثلاثة متهمين طليقين قيد المراقبة القضائية فيما سيحاكم ستة آخرون غيابيا.

 

ويواجه 12 من المتهمين العشرين عقوبة السجن المؤبد.

 

وأكد وزير العدل الفرنسي إريك دوبون-موريتي الاثنين 06 سبتمبر 2021 أن هذه المحاكمة “تاريخية” بعدما زار القاعة التي تتسع لـ550 مقعدا وبنيت خصيصا للجلسات واصفا إياها بانها “ماراتون قضائي”.

 

إلى جانب حجم الملف، فإن هذه المحاكمة غير مسبوقة في المجال الإجرامي من حيث مدتها وعدد أطراف الحق المدني البالغ 1800.

 

تحقيق واسع النطاق

 

يقول ارتور دينوفو الناجي من قاعة العروض الـ”باتاكلان” ورئيس جمعية الضحايا “لايف فور باريس” إنه “غوص في المجهول” مضيفا “كيف ستسير الأمور على مدى تسعة أشهر؟”.

 

من جهتها تقول مديرة جميعة مساعدة الضحايا المكلفة تقديم دعم نفسي كارول دامياني إنها تلقت “العديد من الاتصالات” في الأيام الماضية مضيفة “نشعر بانه هناك قلق، توتر”.

 

إحدى اللحظات المؤثرة الأولى ستكون اعتبارا من 28 أيلول/سبتمبر حين يبدأ حوالى 300 من أقرباء الضحايا والناجين بالإدلاء بإفاداتهم.

 

سيتناوبون أمام المحكمة على مدى خمسة أسابيع لكي يتحدثوا عن تفاصيل ليلة الرعب تلك والندوب التي خلفتها والمآسي الشخصية التي امتزجت بالخوف الجماعي.

 

كانت الساعة 21,16 الجمعة 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 حين غرقت فرنسا في الرعب مع قيام انتحاري بتفجير نفسه قرب ملعب إستاد فرنسا خلال مباراة ودية بين منتخبي فرنسا وألمانيا.

 

وعلى بعد كيلومترين في قلب باريس قامت مجموعة مسلحة من ثلاثة عناصر بإطلاق النار بالأسلحة الحربية الرشاشة على شرفات مقاه، فيما فتحت وحدة ثالثة من ثلاثة عناصر أيضا النار على الجمهور داخل مسرح باتاكلان خلال حفل موسيقي.

 

وبعيد منتصف الليل، اقتحمت الشرطة مسرح باتاكلان، فهرب مهاجمان وبدأت عملية مطاردة استمرت خمسة أيام. وفي نهاية المطاف، قتل عبد الحميد أباعود، أحد الجهاديين الناطقين بالفرنسية في رأس قائمة المطلوبين لدى فرنسا، وشريك له في 18 تشرين الثاني/نوفمبر خلال هجوم للشرطة على مبنى في سان دوني كانا يختبئان فيه.

 

وفيما كانت فرنسا تبكي قتلاها وتغلق حدودها وتعلن حال الطوارئ، بدأ تحقيق متشعب على نطاق واسع، بالتعاون الوثيق مع القضاء البلجيكي.

 

وأتاحت أربع سنوات من التحقيقات تحديد القسم الأكبر من الجانب اللوجستي للاعتداءات، والطريق الذي سلكه عناصر الوحدات عبر أوروبا منذ عودتهم من سوريا سالكين طرق المهاجرين، وحتى مخابئهم في شقق مستأجرة في بلجيكا وقرب باريس.

 

وكشف التحقيق عن خلية جهادية أكبر خلف الاعتداءات، هي نفسها التي تقف خلف الاعتداءات على المطار وقطارات الأنفاق في بروكسل التي أوقعت 32 قتيلا في 22 آذار/مارس 2016.

 

“لا لمحكمة استثناء”

 

في غياب أسامة العطار، أحد “أمراء” تنظيم الدولة الإسلامية الذي يشتبه بأنه خطط للاعتداءات من سوريا، وغيره من كبار قياديي التنظيم بينهم الأخوان فابيان وجان ميشال كلين، الذين يعتقد أنهم قتلوا وتجري محاكمتهم غيابيا، ستتجه الأنظار إلى صلاح عبد السلام ومحمد عبريني، “الرجل ذو القبعة” الذي عدل عن تفجير نفسه في مطار بروكسل.

 

فهل تنجح المحكمة التي لن تستجوبهم قبل العام 2022، في تبديد آخر نقاط الغموض المتبقية، بدءا بالدور الذي لعبه فعليا صلاح عبد السلام (31 عاما)؟

 

ولزم عبد السلام الصمت أثناء التحقيق معه وتتوقع أطراف الادعاء المدني منذ الآن أن يبقى على هذا الموقف.

 

وحذر محاميا المتهم أوليفيا رونن ومارتان فيتس بأن “المحاكمة ستكون مشحونة بالمشاعر، لكن على القضاء أن يتجاهلها عنها إن كان يريد أن يبقي نصب عينيه المبادئ التي تقوم عليها دولة القانون”.

 

وأكدا “سنسهر على عدم تحوّل هذه المحاكمة الاستثنائية إلى محاكمة استثناء”.

 

من جهتها قالت محامية دفاع أخرى هي ليا دورديي “إن كان من الجوهري أن يتمكن جميع أطراف هذه المحاكمة من الكلام، إذ أن الضحايا بحاجة إلى التعبير عن معاناتهم، علينا ألا ننسى أن هذه هي بالمقام الأول محاكمة المتهمين الذين يجب الحكم عليهم بمستوى ضلوع كل منهم وعلى ضوء مسار كل منهم وشخصيته”.

 

وستستدعي المحكمة حوالى مئة شاهد بينهم العديد من المحققين الفرنسيين والبلجيكيين والرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند.

 

وستكون هذه ثاني محاكمة في قضية إرهاب يتم تصويرها بالكامل لضمها إلى الأرشيف السمعي البصري للقضاء، بعد المحاكمة في الاعتداءين على شارلي إيبدو والمتجر اليهودي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.