القدر ( الحلقة 5)

الكاتب المصرى : احمد عشرى

0

القدر

(الحلقة الخامسة)

نزل جيد من منزل عمه عاضباً فأرسلت أخيها عبد الرحمن خلفه كي يلحق به لولا أن طلبت منه نرجس أن يساعدها في أمر ما فلبي لها خوفاً من بطشها ولم تجعله يلحق بجيد فنزلت نجاة خلسة فوجدته وكان يركب أتوبيس فلحقت به وركبت معه وجلسا سوياً علي مقعد واحد فقالت له أنا آسفة ومش عارفة أقول لك أيه بس أنا مخنوقة و عاوزة أتكلم معاك ولكن جيد ظل صامتاً مما حدث معه للتو وكانت نجاة تجلس بجوار النافذة فأنعشها الهواء قليلاً فقالت له هو الأتوبيس ده رايح فين ؟

رد عليها أنا مااعرفش حاجة في مصر غير مدينة نصر وأردف قائلاً أنا ركبت الأتوبيس ده عشان مالقيتش غيره ومرت فترة صمت عليهما وهي تشم رائحة الحرية وبعد قليل رأت نجاة نهر النيل فأشارت إليه ليراه وكان النيل في سريانه دون عائق يداعب الشطآن بحرية بالغة

فبكت عيناها وفاض الدمع من مقلتاها فأخرج لها جيد منديلاً وقال لها أناحاسس بيكي يا نجاة الله يكون في عونك مع الست دي فبدأ يلقي عليها بعضاً من أشعاره ولم تكن نجاة تعرف أنه ينظم الشعر ويلقيه بطريقة جذابة فألقت عليه بعضاً من أشعارها وظل يطربها وتطربه فقال لها أشعارك حزينة جداً يانجاة وأنا ملاحظ إنك مش بتضحكي خالص

وأنا أشعاري متفائلة ومليانة سعادة فقالت له ربنا يسعدك ياجيد وعاد ليسألها عن سبب غياب ضحكتها حاولت نجاة تغيير دفة الحديث قائلة له هو انت هتسكن المدينة الجامعية فقال لها إن شاء آلله يقبلوني عشان أنا مجموعي كبير وكمان من منطقة نائية فقالت له يبقي لازم أشوفك كل يوم فقال لها وكل ساعة لو حبيتي فعادت تسأله قائلة هو الأتوبيس ده رايح فين ؟

فقال لها الناس كلهم نزلوا نبقي وصلنا لآخر الخط فرأي أتوبيساً آخر هو يعرفه من رقمه فقال لها وهو يشير إليه الأتوبيس ده رايح مدينة نصر فسألته قائلة يعني هتسيبني ؟

رد قائلاً ده أنا أسيب الدنيا كلها عشانك فقالت له نرجع في نفس الأتوبيس بس تطلع معايا فإعتذر لها قائلاً نرجس باين عليها مش بتحبني فقالت له ده بيت أبويا مش بيتها فوافق جيد وصعد معها فقابلته نرجس بالترحيب أمام زوجها وقالت لنجاة كده تسيبيني أقوم بشعل البيت كله لوحدي ؟

وجلس جيد مع عمه قليلاً ثم همَّ لينصرف فطلب منه عمه أن يبيت معهم وطلب من زوجته أن تعد الطعام فإنصاع جيد لأمر عمه وقام بتغيير ملابسه علي أن يغادر في الصباح وظل غريب يسأله عن أحوال أهل قنا حتي صاحت عليه نرجس قائلة إطفي نور الصالة ياغريب مش عارفة أنام ….

ذهبت أم نرجس الكبير أبو غريب وجلست مع الحاجة أم غريب علي أمل العودة من جديد لخدمتهم فسألتها الحاجة عن إبنتها نرجس وإبنها غريب فقالت لها أنا سايباهم سمن علي عسل بس أنا اللي مش واخدة علي قعدة البيت من غير شغلة ولا مشغلة ولا قادرة علي فراقكو إنتي والكبير وكانت أم نرجس تريد أن تسألها عن صلوحة ولكن حدثتها نفسها وأيه اللي هيعرّف الست المحترمة دي بواحدة زي صلوحة

وعدلت عن سؤالها وكانت صورة صلوحة محفورة في ذهنها وتستطيع أن تتعرف عليها إذا ما رأتها في أي مكان في البلد وكانت تبكي كلما تذكرت نرجس إبنتها عندما قالت لها روحي وماتجيش من غيرها وها هي قد أمضت شهوراً في البحث دون جدوي في صمت ودون ذكر إسمها حتي لا يظنوا بها الظنون لسمعة صلوحة البطالة وسوء سلوكها

فتورمت قدماها من السير طوال اليوم فإشتري لها الكبير بعض المراهم وقامت الحاجة أم غريب بخدمتها ولم تستطع أم نرجس الحركة دون العكاز الذي إشتراه لها أيضاً الكبير فقالت له علي آخر الزمن همشي بعكاز ياكبير رد الكبير قائلاً قدرك ومكتوب لك ومحدش بيهرب من مكتوب ….

بدأت الدراسة في كلية آداب القاهرة وبدأت نجاةفي التعرف علي أقرانها الجدد فتعرفت علي راندا البحيري التي بادلتها الحب وآية إبنة رئيس تحرير جريدة فطلبت منها آية أن تعمل بالقطعة عند والدها فوافقت نجاة علي الفور فأرسلت قصيدة (أريد أن أرحل)

ولما كانت كلماتها نابعة من القلب فوصلت إلي القلب فطلب رئيس التحرير مقابلة نجاة غريب صاحبة القصيدة لما إستشفه من أحزان الماضي تطفو علي سطح المستقبل فتجعله بائس فلاقت القصيدة نجاحاً في الوسط الأدبي مبشرة ببزوغ نجم جديد محلقاً في السماء وظل رئيس التحرير يشجعها

فتبنتها دار نشر وتوزيع فقد كانت نجاة تنظم الشعر وتعبر عما يجيش بصدرها من آلام وكانت كلماتها تخرج تلقائية عفوية وكأنها دموعها التي تنساب من مقلتيها الذابلتان فلاقت قصائدها نجاحاً منقطع النظير وهي مازالت بالسنة الأولي وأتمت دار النشر طباعة أول ديوان

فصحي النجاة غريب وأشاد بها النقاد ولم تلتفت لمن نقدها بأن شعرها كئيب لدرجة الملل فقد حذرها رئيس التحرير أن تقع فريسة للنقد الهدَّام أو الغرور والجري وراء الأضواء فذهبت إلي جيد بالمدينة الجامعية لتعطيه نسخة من ديوانها فهو أقرب شخص لهاو لا تستريح إلاّ بوجوده قربها

وكانت تتحدث عنه مع راندا البحيري وقصت لها مافعلته نرجس وكيف لحقت به وكيف قضت يومآ كاملاً معه ذهاباً وعودة بالأتوبيس وكيف رأت منظرالنيل في هذااليوم وهو يغازل الشاطئ أمام الجميع دون حرج …

كان غريب سعيداً بصورة نجاة علي غلاف الكتاب ولم تكن نرجس تعلم شيئاً عنه وحينما رأت صورتها المطبوعة أخذها الحسد وتمكن منها فطلبت من زوجها أن يذهب إلي قنا ليطمئنها علي أمها وليسألها عن الأمانة فسألها غريب قائلاً أمانة أيه ؟

ردت نرجس دي حاجة تخص النسوان ما تخصش الرجالة فذهب غريب إلي قنا فوجدها تسير على عكاز متورمة من القدم حتي منتصف الساق فسألها عن الأمانة ودخل ليخبر الكبير ابالنجاح الذي حققته نجاة من أول سنة فقالت له الحاجة أم غريب داري علي شمعتك ياابني وأخذ منه الكبير الديوان ليحتفظ به مع باقي أغراضه وأخبره الكبير أن يرعي نجاة فهي الشمعة التي تضيء حياتهم الآن هي وجيد إبن سويلم وأخذ في الدعاء لهما بأن يبعد عنهما كل مكروه وكل حاسد حتي أتي سويلم ليهنئ أخيه غريب علي ديوان نجاة ووعده بزيارة ليهنئها بنفسه ….

وعاد غريب وأخبر نرجس بمرض أمها وتورم أقدامها فثارت وإشتاطت غيظاً منها فقال لها غريب طب وهي ذنبها أيه ؟ وقررت الذهاب بنفسها لتبحث عن صلوحة فهي تكره نجاة من أعماقها وتكره نجاحها الذي بدأ يبزغ مثل الشمس لتحل بنورها محل الليل المعتم فقررت أن تطفئ تلك الشمعة وتوئدها قبل ميلادها حتي لو لم تجد صلوحة فهناك مليون صلوحة

وبكرة نكمل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.